شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس من الهجرة

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية

فعجبًا لمن يحرِّض على اقتحام الجموع الهائلة بالصدور العارية بأسماء مختلفة -كالثبات والصمود والجهاد- ومزاعم متعددة... دون إعمال لموازين القوى وتقدير المصالح والمفاسد، مستدلاً على ذلك بوعد الله الصادق بنصرة المؤمنين وتأييدهم، وبقوله -تعالى-: ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:249) ، وبأن أعداد المشركين دومًا كانت تفوق أعداد المسلمين في غزواتهم وحروبهم.

وهو بهذا يضرب نصوص الكتاب والسنة بعضها ببعض ولا يعي ما فيها، فإن الله -تعالى- كما قال: ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) فقد قال -سبحانه-: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) (الأنفال:60) ، وهو الذي قال: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:65-66) .

وقد امتدح النبي -صلى الله عليه وسلم- قادة غزوة مؤتة الثلاثة -رضي الله عنهم-، وامتدح خالد بن الوليد -رضي الله عنه- ووصفه بأنه "سيف الله" لما تحيز بالجيش وانسحب به وعاد إلى المدينة، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ( أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) (رواه البخاري) ، وسمَّى -صلى الله عليه وسلم- ما فعله خالد "فتحًا"؛ لأن ما فعله خالد -رضي الله عنه- كان هو الخيار الصائب الموافق لمقاصد الشريعة، وهو تحريز المسلمين والنجاة برأس المال الحقيقي المتمثل في جند الله المؤمنين الذين تمكنوا بعد سنوات قلائل من فتح البلاد وتعبيدها لله -عز وجل-، ومدح -صلى الله عليه وسلم- هذا الجيش -رغم انسحابه- وقال: ( بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ، وَأَنَا فِئَتُكُمْ ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الحافظ ابن حجر، وصححه الشيخ أحمد شاكر) .

مع أن القادة الثلاثة "زيد بن حارثة - جعفر بن أبي طالب - عبد الله بن رواحة" كان يحتمل عندهم النصر والظفر، ولم يكونوا جازمين بالهزيمة والقتل، ولكن بعد مقتل القادة الثلاثة تأكد وتبيَّن أن الفرق بين القوتين لا يحتمل معه القتال، فكان انسحاب خالد فتحًا، مثلما كان "صلح الحديبية" فتحًا مبينًا كما سماه الله -تعالى- مع ما كان فيه من الانصراف وترك القتال، وإنما كان كذلك؛ لما فيه من المصالح العظيمة للإسلام والمسلمين.

وقد يسيء البعض الفهم فيستدل بقوله -تعالى-: ( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً ) (النساء:84) ، على الدخول في مصادمات محسومة العاقبة تضر ولا تنفع، ويتأولها على أن ذلك من الشرع أن يقاتل ولو بمفرده!

قال ابن عطية -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: "لَمْ يَجِئْ فِي خَبَرٍ قَطُّ أَنَّ الْقِتَالَ فَرْضٌ عَلَيْهِ دُونَ الأُمَّةِ مُدَّةً مَا، فَالْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خِطَابٌ لَهُ فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ مِثَالُ مَا يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، أَيْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُمَّتِكَ الْقَوْلُ لَهُ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَسْتَشْعِرَ أَنْ يُجَاهِدَ وَلَوْ وَحْدَهُ" (تفسير ابن عطية 2/ 86) .

والتطبيق العملي في السيرة النبوية الشريفة يبطل هذا التأويل، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يخرج قط منفردًا لقتال ولم يأمر بذلك، ونبيا الله موسى وهارون -عليهما السلام- لم يخرجا ليقاتلا وحدهما لما امتنع بنو إسرائيل عن الدخول على القوم الجبارين مع وعد الله بالنصر والغلبة إذا دخلوا عليهم الباب.

- حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على مكتسبات الدعوة والرسالة، وشفقته على جنده وأتباعه: فقد تأخرت هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلم يهاجر حتى اطمأن على أصحابه الذين سبقوه إلى المدينة وظلوا متشوقين إلى هجرته إليهم، ولم يهاجر -صلى الله عليه وسلم- كما هاجر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ويقول: من أراد أن تثكله أمه أو يتيتم ولده فليلقني خلف هذا الوادي؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- أسوة، والناس منهم القوي مثل عمر -رضي الله عنه-، ومنهم الضعيف، وعمر -رضي الله عنه- شخص واحد يتصرف بحسب قوة إيمانه وجرأته.

فضرب -صلى الله عليه وسلم- الأسوة لأمته بنفسه في أخذه بالأسباب في الهجرة، وتستره عن أعين المشركين، وحافظ على دعوته وعلى أصحابه الذين رباهم على عينه، وغرس فيهم غرسه الطيب في: العقيدة، والعبادة، والمعاملة، والتزكية، وأذِن لهم بالهجرة والفرار من أعداء الله ليس للفرار بالنفس فحسب، وإنما كذلك لهدف أسمى وأعظم وهو إقامة الحياة على منهاج الله وشريعته، ونشر دين الله في ربوع الأرض، ولم يزج بهم في مصادمات تستأصل شأفتهم ولا يَنصرون أو يصلحون بها دينًا أو دنيا!

الصفحة السابقة الصفحة التالية