شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس من الهجرة

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية

- الثقة في الله والتوكل عليه والاستبشار بنصره: وهذا من أعظم الدروس المستفاد من الهجرة النبوية، فمع كل هذه الاحتياطات وصل المشركون إلى الغار... يقول أبو بكر -رضي الله عنه-: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: ( يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا ) (متفق عليه) .

وأبو بكر -رضي الله عنه- لم يكن يخشى على نفسه وإنما يخشى على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى دعوة الإسلام فيحزن إذا تصور ضياعها؛ لذلك لم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تخف" بل: ( يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ).

فاستحضار معية الله الخاصة لعبده المؤمن والتوكل عليه يذهب الحزن من القلب، ويملؤه بالاستبشار والأمل، واليقين بنصر الله وفرجه.

وما أكثر دروس الهجرة وإلهاماتها...

وما أحوجنا إلى هجرة الخطايا والذنوب...

عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ) (رواه البخاري) ، وفي لفظ ابن حبان: ( الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني) .

وقد سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ( أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) ، وفي رواية قال: ( مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ) (رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني) .

فهلموا بنا إلى الهجرة...

إلى هجر الكذب والرياء، والغيبة والنميمة، والضعف والكسل، والإهمال والترف.

هلموا إلى الهجرة...

إلى هجر ما يخالف الإسلام وشريعته... في بيوتنا، وأعمالنا، ومعاملاتنا، وفي كل حياتنا.

هلموا بنا إلى محاسبة النفس ومراجعتها...

فها نحن على وشك استقبال عام هجري جديد وتوديع عام مضى وقع فيه ما وقع من التقصير والتفريط: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (الحشر:18) ، ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) (الأنبياء:47) .

قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته".

وليس المراد أن تكون المحاسبة لمجرد المعرفة أو التحسر فيكون حالنا كحال من يعرف موارد الماء ولا يأتيها وهو يكاد يموت عطشًا! وإنما المراد المحاسبة الإيجابية التي يتبعها إصلاح ومجاهدة ومصابرة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (آل عمران:200) .

نسأل الله -جلَّ وعلا- ونحن نستقبل عامًا هجريًّا جديدًا أن يهيئ لأمتنا من أمرها رشدًا، وأن يعجل فرجها، وأن يحفظ بلادنا من كل سوءٍ.

وصلى الله على محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم.

الصفحة السابقة