دروس من الهجرة
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
ومن هذا الباب: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر -رضي الله عنه-: ( ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي )، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ: ( اكْتُمْ هَذَا الأَمْرَ وَارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ ) فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَثَارَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ... " ( متفق عليه) .
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في فتح الباري: "قَوْلُهُ: لأَصْرُخَنَّ بِهَا: أَيْ: بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ جِهَارًا بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهُ بِالْكِتْمَانِ لَيْسَ عَلَى الإِيجَابِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا أَقَرَّهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَازُ قَوْلِ الْحَقِّ عِنْدَ مَنْ يُخْشَى مِنْهُ الأَذِيَّةُ لِمَنْ قَالَهُ وَإِنْ كَانَ السُّكُوتُ جَائِزًا، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ الأَحْوَالِ وَالْمَقَاصِدِ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ يَتَرَتِّبُ وُجُودُ الأَجْرِ وَعَدَمِهِ".
- الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله: لما عزم النبي -صلى الله عليه وسلم- على الهجرة كتم ذلك ولم يُسر به إلى أحد إلا لأبي بكر -رضي الله عنه- في اللحظات الأخيرة، تقول عائشة -رضي الله عنها-: فَبَيْنَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَقَالَ قَائِلٌ لأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُقْبِلاً مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلا أَمْرٌ، فَجَاءَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ حِينَ دَخَلَ لأَبِي بَكْرٍ: ( أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ )، قَالَ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ )، قَالَ: فَالصُّحْبَةُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( نَعَمْ ) (رواه البخاري) .
وأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يسلك طريقًا غير مألوف حتى لا يعترضه أحد من المشركين، فاستأجر لذلك عبد الله بن أريقط وكان ماهرًا خريتًا، خبيرًا بالطرق والمسالك، ورغم أنه كان مشركًا إلا أنه لم يخن ولم يغدر ولم يفشِ سر النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه؛ مما يدل على بصيرته النافذة -صلى الله عليه وسلم- وحسن اختياره.
- أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- في غار ثور ثلاثة أيام.
- لم ينسَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يدبِّر أمر الطعام والشراب، والأخبار في تلك الفترة التي سيقضيها في الغار، فجعل أسماء بنت أبى بكر -رضي الله عنها- لإعداد الطعام والشراب تأتيهما به ليلاً حتى لا يراها أحد.
- جعل على أخبار القوم عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنهما-، فكان يسمع ما يدور في مجالس القوم نهارًا ويعيه، فإذا جاء الليل أتاهما بأخبار الناس وأعلمهما بما يتكلمون به، وعلى أساس هذه الأخبار كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطط للبقاء في الغار أو لمغادرته.
- كان -صلى الله عليه وسلم- يخشى أن يرى أحد من المشركين أثار أقدام عبد الله بن أبي بكر وأخته أسماء فيستدل بها على مكانهما فأمر عامر بن فهيرة مولى أبي بكر أن يسرح بالغنم مبكرًا على آثارهما فيعفي عليها، ويزيل ما قد يكون سببًا في معرفة مكانهما، كما كان يريح الغنم عليهما ليلاً فيذبحان منها، ويحلبان فيشربان.
- الانشغال بواجب الوقت واحترام السنن: كان -صلى الله عليه وسلم- يعلم أن قومه سيخرجونه من بلدته ومن وطنه الذي هو أحب الأوطان إليه -وإلى كل مسلم-، وكان على موعد معهم في ذلك كما أخبره ورقة بن نوفل -رضي الله عنه-: "يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ!" (متفق عليه) ، ومع ذلك لم ينشغل النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا... بل ظل يدعو إلى الله صابرًا محتسبًا، يقوم بما يقدر عليه من تقليل الشر والفساد، والدعوة إلى الله بكل مستطاع، فقد كان هذا الذي في قدرته -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن يملك نصرة لأصحابه، ولا لنفسه الشريفة وهو الذي أصابه من أذى قومه وعشيرته ما أصابه، ومع ذلك لم يدعُ -صلى الله عليه وسلم- إلى صدام مع المشركين العتاة في فجورهم وفسادهم، ولم يأمر بذلك، وإنما كان يقوم بما أقدره الله عليه.
- الصدق والوفاء: وقد تمثَّل هذا في حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على أداء الأمانات إلى أهلها ووصولها إلى مستحقيها، وقد استبقى عليًّا -رضي الله عنه- ليقوم برد الحقوق إلى أهلها، وهذا في معاملة مشركين وثنيين محاربين لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- قد فعلوا به وأصحابه ما فعلوا... فكيف بأهل الإسلام؟!
فيا عجبًا لمن ينقض العهود والمواثيق، ولا يعظم ما عظمه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-!
- المفهوم الحقيقي والصحيح للنصر: فقد سمَّى الله -تعالى- نجاة النبي -صلى الله عليه وسلم- واختفائه عن أعين المشركين نصرًا في كتابه: ( إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ )، فليست صورة النصر الوحيدة هزيمة المشركين، وإما تحصيل كل المكاسب أو تضييع ما عندنا وما في أيدينا! بل إن من أعظم صور النصر: بقاء الدعوة إلى الله حتى تصل إلى غايتها المنشودة، والثبات على المنهج والحفاظ عليه حتى تتلقفه الأجيال ويصل نور الرسالة إلى كل أجناس البشر.