شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الاستدلال ببعض النصوص على طلب الموت في سبيل الله دون تحقيق نصر أو نكاية

الشيخ ياسر برهامي • الجهاد وفقهه

السؤال:

- أنا أعلم أنكم من أهل العلم والدين، ولكنني أرى أنكم جانبكم الصواب وأخطأتم من حيث المبدأ والنتيجة، ومن حيث استبعادكم عودة دولة الإخوان وأنها أوهام، ومن هذا الخطأ ما ذكرته أنتَ يا د." ياسر " فيما معناه أن: "نية القتل في سبيل الله دون إحراز نصر أو نكاية في العدو... لا تكفي، وهي إتلاف للنفس لا يجوز من غير فائدة!" كإسقاط على واقع الإخوان في مظاهراتهم وإصرارهم على موقفهم، في حين أن غاية ما عندك: الاستدلال بأقوال لبعض العلماء يعارضها غيرها، وما ما ذكرتَه من أدلة شرعية فلا يفيد ما ذهبتَ إليه، وهاك من الأدلة ما يفيد الجواز حتى نتبرأ من خيانة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

1- ثبت في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) (متفق عليه) ، ولم يذكر نكاية أو غير ذلك، فمن خرج عليه 5 أو 10 لصوص بسلاح وهو مقتول لا محالة إن لم يعطهم ماله، ولن يبكوا عليه أو يُسلموا لأجله، ولن يسمع به أحد، فلا توجد مصلحة في قتله ولا نكاية، ومع ذلك فهو شهيد في سبيل الله، ممدوح على قتاله واستبساله!

2- قال الله -تعالى-: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل:106) ، فمن أُكره على كفر أو باطل وإلا قُتل؛ استحب له الصبر على القتل والأخذ بالعزيمة مع أنه مقتول بلا نكاية في خصومه، وقد يقتلونه دون أن يتألم له أحد أو يسمع به إنسان.

3- قال الله -تعالى-: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:249) ، وقد خاض المسلمون معظم حروبهم وهم أقل بكثير جدًّا من عدد عدوهم وعتاده وسلاحه، وغزوة بدر من أشهر ما يذكر في ذلك حيث كان المسلمون معهم فرس واحد أو اثنان على الأكثر في مقابل 200 فرسًا للكفار، هذا من حيث العتاد والعدة، ومن حيث العدد فمعلوم أن عدد الكفار كان أضعاف عدد المسلمين، ومع ذلك وقع النصر من عند الله، وكذلك كان عدد المسلمين في غزوة "مؤتة" 3 آلاف مقاتل وعدد عدوهم 200 ألف مقاتل!

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

- فما ذكرناه مِن وجوب الانصراف إذا كان المسلمون أقل من نصف عدوهم "وعلموا أنهم مقتولون" مع عدم إحداث نكاية في العدو هو بلا خلاف بين العلماء كما ذكره "ابن جزي الغرناطي" في "القوانين الفقهية"، وليس مجرد كلام لبعض العلماء!

- قال النووي -رحمه الله-: "إِذَا زَادَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ، جَازَ الانْهِزَامُ، وَهَلْ يَجُوزُ انْهِزَامُ مِائَةٍ مِنْ أَبْطَالِنَا مِنْ مِائَتَيْنِ، وَوَاحِدٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْكُفَّارِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لا؛ لأَنَّهُمْ يُقَاوِمُونَهُمْ لَوْ ثَبَتُوا، وَإِنَّمَا يُرَاعَى الْعَدَدُ عِنْدَ تَقَارُبِ الأَوْصَافِ. وَالثَّانِي: نَعَمْ؛ لأَنَّ اعْتِبَارَ الأَوْصَافِ يَعْسُرُ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْعَدَدِ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي عَكْسِهِ، وَهُوَ فِرَارُ مِائَةٍ مِنْ ضُعَفَائِنَا مِنْ مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ مِنْ ضُعَفَائِهِمْ، فَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْعَدَدَ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْمَعْنَى، جَازَ.

وَإِذَا جَازَ الْفِرَارُ، نُظِرَ: إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ إِنْ ثَبَتُوا ظَفِرُوا، اسْتُحِبَّ الثَّبَاتُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الْهَلاكُ؛ فَفِي وُجُوبِ الْفِرَارِ وَجْهَانِ، وَقَالَ الإِمَامُ: إِنْ كَانَ فِي الثَّبَاتِ الْهَلاكُ الْمَحْضُ مِنْ غَيْرِ نِكَايَةٍ، وَجَبَ الْفِرَارُ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نِكَايَةٌ فَوَجْهَان ِ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الإِمَامُ هُوَ الْحَقُّ وَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، أَنَّهُ لا يَجِبُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (روضة الطالبين: 10/ 249) . أي يستحب الفرار مع إحداث نكاية عند الثبات، والوجه الثاني: يجب الفرار، أما مع عدم النكاية؛ فيجب الفرار بلا خلاف .

- وقال ابن قدامة -رحمه الله-: "وَإِذَا كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفَرُ، فَالأَوْلَى لَهُمْ الثَّبَاتُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَإِنْ انْصَرَفُوا جَازَ؛ لأَنَّهُمْ لا يَأْمَنُونَ الْعَطَبَ وَالْحُكْمُ عُلِّقَ عَلَى مَظِنَّتِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ عَدَدِهِمْ، وَلِذَلِكَ لَزِمَهُمْ الثَّبَاتُ إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلاكُ فِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمْ الثَّبَاتُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الظَّفَرُ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ.

وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلاكُ فِي الإِقَامَةِ وَالنَّجَاةُ فِي الانْصِرَافِ، فَالأَوْلَى لَهُمْ الانْصِرَافُ، وَإِنْ ثَبَتُوا جَازَ؛ لأَنَّ لَهُمْ غَرَضًا فِي الشَّهَادَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا أَيْضًا " (المغني 9/ 320) . وهذا واضح في وجود احتمال النصر.

- وقال ابن جزي الغرناطي -رحمه الله-: "الْمَسْأَلَة السَّادِسَة فِي الْفِرَار: لا يجوز الانْصِرَاف من صف الْقِتَال إِن كَانَ فِيهِ انكسار الْمُسلمين، وَإِن لم يكن فَيجوز لمتحرف لقِتَال أَو متحيز إِلَى فِئَة والتحرف لِلْقِتَالِ هُوَ أَن يظْهر الْفِرَار وَهُوَ يُرِيد الرُّجُوع مكيدة فِي الْحَرْب، والتحيز إِلَى الْجَمَاعَة الْحَاضِرَة جَائِز، وَاخْتلف فِي التحيز إِلَى جمَاعَة غَائِبَة من الْمُسلمين أَو مَدِينَة. وَلا يجوز الانهزام إِلا إِذا زَاد الْكفَّار على ضعف الْمُسلمين، وَالْمُعْتَبر الْعدَد فِي ذَلِك على الْمَشْهُور، وَقيل: الْقُوَّة، وَقيل إِذا بلغ عدد الْمُسلمين اثْنَي عشر ألفا لم يحل الانهزام وَلَو زَاد الْكفَّار على الضعْف.

الصفحة التالية