شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الاستدلال ببعض النصوص على طلب الموت في سبيل الله دون تحقيق نصر أو نكاية

الشيخ ياسر برهامي • الجهاد وفقهه

وَإِن علم الْمُسلمُونَ أَنهم مقتولون فالانصراف أولى، وَإِن علمُوا مَعَ ذَلِك أَنهم لا تَأْثِير لَهُم فِي نكاية الْعَدو وَجب الْفِرَار، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لا خلاف فِي ذَلِك " (القوانين الفقهية: 1/98) .

- وما ذكرتَه من أدلة لا يخالف النصوص السابقة التي اتفق عليها العلماء.

1- فحديث: ( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ): هذا عند إمكان الدفع واحتماله، وأفضل ذلك ما يكون مع غلبة الظن بالدفع، أما إذا علم أنه مقتول إذا كافحهم ومأخوذ ماله وأنه لو أعطاهم ماله لم يقتلوه؛ فليست داخلة في الصورة المذكورة في الحديث.

قال العز بن عبد السلام -رحمه الله-: "إِِنْ أَرَادَ الظَّالِمُ قَتْلَ إنْسَانٍ مُصَادَرَةً عَلَى مَالِهِ، وَيَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ إنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مَالَهُ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ مَالِهِ فِكَاكًا لِنَفْسِهِ " (قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/ 129) .

2- هذا الأمر في حق نفسه، وليس في حق مجموع المسلمين أو طائفة منهم، والكلام الذي ذكرتَ في استحباب الصبر في مواجهة الكفار المكرهين رجلاً مسلمًا على النطق بكلمة الكفر فيه من إغاظتهم وتغيير قلوبهم ما تتحقق به مصلحة مع كون ذلك في حق نفسه -كما ذكرنا-، وليس في ضرر عام على المسلمين.

3- إن الله وعد بنصر المسلمين -إذا صبروا- على عشرة أضعافهم من عدوهم، ولم ينسخ ذلك الوعد، وإنما نسخ وجوب الثبات ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:65-66) .

وليس كما تزعم أن المسلمين كانوا أقلَّ بكثير جدًّا من عدد عدوهم في معظم حروبهم! نعم كانوا أقل، لكن مع إمكانية القتال، وإمكانية النصر والظفر ؛ ففي غزوة "بدر" كانوا نحو ثلث العدو وليس عُشره.

وأما حين كانوا ثلاثة آلاف أمام مائتي ألف في غزوة "مؤتة"؛ فقد سمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما فعله خالد من الانسحاب "فتحًا" فقال: ( أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) (رواه البخاري) ؛ مثلما كان الانصراف وترك القتال، والصلح بعد البيعة -بيعة الرضوان- في الحديبية فتحًا مبينًا كما سماه الله -سبحانه وتعالى- بذلك؛ لما فيه من مصالح عظيمة للإسلام والمسلمين، وحين تكون قوة الأعداء أكثر من 10 : 1، ويعلم المسلمون أنهم مقتولون؛ فلا يجوز القتال -كما سبق-.

وأظن أن مِن المسائل المعاصرة ما لا يختلف فيه العقلاء "فضلاً عن الفقهاء"؛ فلو أن مائة من المسلمين المسلحين بالسيوف والرماح واجهوا عشرة من الطائرات القاصفة في كل طائرة طيار واحد، وليس عندهم سلاح مضاد للطائرات وهي تريد حصدهم، ويمكنهم بالانصراف حفظ أرواحهم؛ للزمهم ذلك قطعًا، ولما جاز لهم التعرض لهذا القصف بزعم الرغبة في نيل الشهادة!

وإلا كان انسحاب "طالبان" أمام قوات التحالف وطائراته من "كابول" جريمة وفرارًا من الزحف! وما أظن عاقلاً ولا فقيهًا يظن ذلك... أو يقول: "بل كان الواجب أن يظلوا فيها إلى أن تُباد وتدمر على أهلها المسلمين بلا ثمرة!"، بل -في الحقيقة- بإذلال المسلمين وسفك دمائهم وانتهاك حرماتهم بجهل الجاهلين، وضلال الضالين في فهمهم.

وأضرب لكَ مثالاً آخر: عندما رُفع شعار: "على القدس رايحين شهداء بالملايين" وانطلق من الشباب مَن انطلق "وهو أعزل" يظن أن الجيش الإسرائيلي سيتركه حتى يدخل القدس محررًا لها بمجرد العدد! ووقف الجنود المصريون يمنعونهم من المرور حرصًا على أرواحهم، وظن بعض هؤلاء بجهله أن هذا صد عن سبيل الله... فهل ترى أن هذا الذي ينبغي أن نفعله لنحرر القدس؛ وإلا كنا آثمين؟!

أين في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن نواجه أعداءنا بصدور عارية بلا سلاح؟!

ولماذا لم يفعل ذلك د."مرسي" والإخوان إبان سنة من حكمهم؟!

ولماذا حرصوا على الوساطة المصرية لإيقاف العدوان الإسرائيلي على غزة بإتمام هدنة؟! نرجو الله أن يوفق الشباب للفهم والفقه في الدين.

كل هذا لو كان العدو المخالِف كافرًا؛ فكيف بالنظر في المفاسد العظيمة إذا كان المخالِف لكَ مسلمًا؟!

وإياك ودعاوى التكفير بالبدعة والجهل، فإن القتل العمد بلا تأويل ليس سببًا للحكم بالكفر الأكبر على القاتل بنص الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ... ) (البقرة:178) ، فجعل الله -تعالى- القاتل أخًا للمقتول.

والمخالِف لك مسلم إنما يعترض على رئاستك وإدارتك للبلاد، وفشلك في تحقيق احتياجات الناس، وأنتَ تزعم أنه إنما يريد حرب الإسلام مع أن هذا حكم على النيات والمقاصد والله أعلم بها، والحساب بيْن يدي الله غدًا؛ لأننا لا نثبت ولا ننفي نيات الناس، وإنما لنا ظاهرهم؛ فليس من خالف طائفة وسعى لإزاحتها عن الملك والرياسة يكون بالحتم محاربًا للإسلام إذا كانت الطائفة ترفع شعار الإسلام وتدعي أنها سوف تحكم به بعد حين؛ فالكل يقول ذلك أيضًا أنه سوف يحكم به بعد حين عندما تتمهد الأمور، فالكل في الوعد سواء.

فما جرى إنما هو مع مسلمين "من الشرطة والجيش والعامة" يترتب عليه تنفير الناس من الدين، وحديثهم أن المسلمين يقتل بعضهم بعضًا، وتعطيل الدعوة إلى الله... لو قُدِّر أن جميع الإسلاميين شاركوا في هذا الأمر!

الصفحة السابقة الصفحة التالية