شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناهج الإصلاح (4) معالم التغيير

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قدَّمنا -فيما سبق- أن الإسلام دعا إلى إصلاح البشر، وأن إصلاح البشر يحصل بإصلاح أفراده، ثم بإصلاح مجموعة في حال اجتماعهم.

ومن هنا يتبين أهمية الإصلاح الاجتماعي، وأنه لا يقل أهمية عن الإصلاح الفردي؛ ولذلك قال الله -تعالى-: ( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (البقرة:205) ، وقال: ( وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ) (الأعراف:56) .

وسوف نتناول في هذا المقال أهم معالم صلاح المجتمع في الإسلام مِن خلال بحث عدة نقاط:

أولاً: الأساس الذي يقوم عليه المجتمع المسلم?:

(أ)- المجتمع المسلم قائم على الرابطة الإيمانية: وقد قدمنا أن الإنسان اجتماعي بطبعه، وبالتالي فإنه يسعى دائمًا إلى أن يكون فردًا من مجموع يشعر تجاههم بانتماء خاص، ويتبادل معهم المنافع، وقد عرفت البشرية أنواعًا من هذه المجتمعات، منها "نظام العائلة"؛ وهو قائم على النسب الفردي، وأوسع منه قليلاً أن ترتبط العائلة مع غيرها من العائلات التي تجرى بينهم مصاهرات، ثم القبيلة التي تقوم على النسب البعيد نسبيًّا، وارتقت الروابط في بعض الأحيان إلى درجة الأمة التي ترتبط بالنسب البعيد، واتحاد الموطن واللغة.

ومن الجدير بالذكر: أن نشير إلى أن العرب رغم امتلاكهم لمقومات الأمة إلا أن الروابط بينهم وقفتْ عند حد "القبيلة"، وادخر الله لهم دعوة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-: ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ) (البقرة:128) ، ليستجيب لها مع الدعوة الأخرى: ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (البقرة:129) ؛ فاستجاب الله للدعوتين معًا فجعل ظهور العرب كأمة مرتبط ببعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي هذا يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله".

وهذه الروابط التي تعارفت عليها البشرية تتضمن عيوبًا جوهرية... أبرزها:

1- قيامها على أمور مادية وجبرية.

2- عدم إمكان اتساعها بأي حال من الأحوال لتسع الجنس البشري كله، ومن هنا جاء الإسلام بجعل الرابطة الأساسية في المجتمع هي الرابطة الإيمانية، ومِن ثَمَّ فهي تتميز بأمور، من أهمها:

1- قيامها على أمر عقلي اختياري.

2- إمكان اتساعها لتشمل البشر جميعًا.

ومع هذا فلم يهدر الإسلام قيمة رابطة النسب، وإنما وجَّه إلى جعلها وسيلة للوصول إلى الرابطة الأصلية، قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (الحجرات:13) .

على أنه لم يَسمح قط بتقديم شيء من هذه الروابط على الرابطة الإيمانية، يقول الله -تعالى-: ( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ... ) (المجادلة22) .

ولا ينبغي أن يُفهم من قولنا "إن المجتمع المسلم قائم على الرابطة الإيمانية" عدم جواز عيش غير المسلم فيه أو أنه متى عاش فيه لم يكن له حقوق! ولكن المقصود أن يعلي المسلمون شأن الرابطة الإيمانية في أي مكان كانوا، فإن كانت البلاد تحت حكمهم تعاملوا مع مَن يتعايش معهم من الكفار وفق قوله -تعالى-: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة:8) ، ولا يجوز للمسلم أن يقيم اختياريًّا في بلاد أخرى؛ إلا إذا كان قادرًا على إظهار شعائر دينه.

(ب)- المجتمع المسلم قائم على العقيدة: إذا كان المجتمع المسلم قائمًا على "الرابطة الإيمانية" فهذا يعني من جهة أخرى أنه قائم على العقيدة الإسلامية، وقد تقدم في الكلام على معالم الفرد المسلم أن جميع أموره نابعة من عقيدته، وكذلك المجتمع المسلم يبني نظمه وأهدافه وغاياته ويضبط العلاقات بيْن أفراده بناءً على هذه العقيدة.

(ج)- المجتمع المسلم قائم على إنكار العصبية الجاهلية: والمقصود بالعصبية التناصر بالحق وبالباطل لاشتراك المتناصرين بالنسب، أي: نسب القبيلة أو السلالة أو الأسرة، وكان هذا المفهوم للعصبية هو الشائع عند العرب قبل الإسلام، فكان أفراد القبيلة ينصر بعضهم بعضًا في الحق وفي الباطل لانتسابهم إلى قبيلة واحدة!

وقد أنكر الإسلام هذه العصبية وأمر بنبذها، فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّةٍ أَوْ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ، فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ، وقال -عليه الصلاة والسلام- عن العصبية: ( دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ) (متفق عليه) .

وبعد أن كان شعار الجاهلية: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" بمعنى كن بجانبه في الحالين، أصبح الشعار في الإسلام: انصر أخاك ظالمًا بأن تمنعه من الظلم، أو مظلومًا بأن تقف بجانبه ضد ظالمه.

وذم العصبية في الإسلام لا يقف عند حد العصبية القائمة على أساس المشاركة في القبيلة أو الجنس، وإنما يتعداها إلى كل عصبية قائمة على سبب آخر "ما دام جوهر العصبية موجودًا؛ وهو نصرة الغير بالباطل بسبب هذه المشاركة"، وعلى هذا فانتصار أصحاب الإقليم الواحد أو الحرفة الواحدة أو المذهب الواحد بعضهم لبعض في الباطل هو مِن العصبية المقيتة المذمومة.

إن خلو المجتمع الإسلامي من العصبية بأنواعها يقلل فرص الاعتداء والظلم والبغي، ويساعد على شد الأفراد إلى معاني الحق والعدل، وفي هذا كله خير مؤكد للمجتمع ولأفراده.

الصفحة التالية