شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناهج الإصلاح (4) معالم التغيير

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

ثانيًا: سمات المجتمع المسلم:

جاء الإسلام بكثير من الصفات التي يجب أن يتحلى بها المجتمع المسلم، وبعضها يتعلق بعلاقة أفراد المجتمع فيما بينهم، وبعضها يتعلق بعلاقة الأفراد بالدولة، وكثير منها متداخل، فالمواساة من الغني للفقير تدخل في النوعين معًا حيث يشرع أن يقوم بها الأفراد تجاه بعضهم البعض، كما أن الدولة مسئولة عن تنظيم بعض صور هذه المواساة: "كالزكاة".

ومن هذه السمات التي يبرز فيها دور المجتمع أكثر:

1- قيام المجتمع على مكارم الأخلاق.

2- السعي نحو إقامة المجتمع الفاضل (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

3- المواساة.

ومن السمات التي يظهر فيها دور الدولة أكثر:

1- تحقيق قدر متوازن من "الحرية - العدالة - المساواة".

2- حفظ المال العام وإدارته.

3- حماية البلاد. وسوف يأتي الكلام على هذا النوع عند الكلام على سمات الدولة.

وهذا توضيح يسير للسمات المذكورة في النوع الأول:

1- قيام المجتمع على مكارم الأخلاق.

2- السعي نحو إقامة المجتمع الفاضل (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر): فهذا المجتمع ينبغي أن يشيع فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (آل عمران:104) .

3- المواساة: لابد أن يوجد تراحم وتواد بيْن أفراد هذا المجتمع، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (رواه البخاري ومسلم) .

وهذه خطوط عامة، بداخلها تفاصيل: فالتراحم منه جزء واجب كأداء الزكاة، ومنه جزء مستحب كالصدقات والنفقة على الأقارب تجب في أحوال ولا تجب في أحوال, وكذلك الأخوة الإيمانية وحقوقها, وحقوق الإخوة ومنها حقوق واجبة ومنها حقوق مستحبة، فهذا هو المجتمع المسلم.

ثالثًا: اللبِنة الرئيسية للمجتمع (الأُسرة):

إصلاح المجتمع يأتي من خلال هذه المجتمعات الصغيرة, بل إن أردتَ الدقة تقول كأن نقطة البداية دائمًا ما تكون في هذه المجتمعات الصغيرة، وهي "الأسرة", ومِن ثَمَّ تجد الشرع قد اعتنى بها عناية بالغة، فهناك كلام عن المجتمع ككل، وهناك كلام مفصل جدًّا على الأسرة؛ فلا نكتفي بقواعد: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) (متفق عليه) ، فهذه قاعدة عامة تنطبق على المجتمع الكبير وتنطبق على الأسرة, ولكن نجد الأسرة تحديدًا فيها تفاصيل على اختيار الزوج واختيار الزوجة من بداية تكوُّ الأسرة, والأساس التي تقوم عليه العلاقة، وواجبات الزوج وواجبات الزوجة, وحقوق كل منهما على الآخَر, والأبناء، وتربية الأبناء… كل هذه أمور تفصيلية؛ لأن الأسرة هي اللبنة الأساسية للمجتمع.

رابعًا: المحضن التربوي الرئيسي (المسجد):

والمسجد هو أخص المجتمعات الصغيرة في المجتمع الإسلامي، لماذا؟! لأننا نريد مجتمعًا فيه أخوة إيمانية، والمكان الذي يأتي إليه الناس من أجل تجديد الإيمان أو من أجل القيام بواجبات إيمانهم "هو المسجد"، فإذن هذه هي الصورة المثالية.

كذلك نريد مجتمعًا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والمسجد هو المكان الذي يفترض أن يكون خاليًا تمامًا من المنكرات, فحتى مَن يفعل المنكرات لا يدخل بها المسجد.

كذلك نريد مجتمعًا متراحمًا, والانتظام في الصفوف والالتحام وتلامس الأكتاف بين الفقير والغني هو التراحم بعينه!

إذن المسجد هو المكان الذي يمكن أن تنمو فيه كل هذه الأمور.

ثم إن المسجد هو المكان المثالي لتربية الأفراد؛ فهو أفضل مكان يمكن أن يتلقى فيه ومنه قيِّم الأسرة أو رب الأسرة ما ينبغي أن يقوم به في أسرته, أما في تربية الأسر فأنت لا تستطيع أن تصل للأسر في واقع الأمر، وإنما تصل إلى بعض أفرادها.

إذن في منهج الصلاح والإصلاح الذي نتحدث عنه يكون للمسجد دور جوهري في إصلاح الأفراد، وإصلاح المجتمع، وإصلاح الأسرة التي هي اللبنة الرئيسية للمجتمع.

ويجدر بنا هنا أن نؤكد على معنى، وهو أن بعض الاتجاهات الإسلامية لها منهج في الصلاح والإصلاح فوجدوا أن الإسلام اعتنى عناية خاصة بالأسرة، فقالوا: لا بأس بأن نستنسخ نظام الأسرة ونكون أسرة صناعية، بمعنى أن كل خمسة أو ستة أفراد يكونون أسرة ويكونون على درجة ترابط شديدة جدًّا يتدارسون معًا ويجلسون معًا، ونحو ذلك, وهذه لها فوائد كثيرة، ولكن لا يمكن أبدًا أن تُقارَن بأن يتم هذا كله في المسجد.

فالمسجد يحقق لك معادلة صعبة وهي أنه مكان فيه معايير الصلاح كاملة, وفي الوقت نفسه مفتوح على المجتمع الذي يعاني من مشكلات، فلا يجعلك تشعر بعزلة عن هذا المجتمع، ولا تقتطع نفسك منه, وكل أفراد المجتمع يمكنهم الدخول والخروج بحرية, ليتم التواصل الطبيعي التلقائي بين مَن يريد أن يوظف وقته وجهده في عملية الإصلاح وبين جميع أفراد المجتمع.

بينما إذا اعتُمدت محاضن تربوية تحقق درجة عزلة حقيقية عن المجتمع بأن تتم دائمًا هذه التربية في مواطن خاصة فربما تعمق عزلة غير مرغوب فيها؛ لأن الواجب هو الانفتاح على الناس؛ لا سيما إذا انضم لفكرة الأسر الخاصة مركب فكري يتحدث عن العزلة الشعورية التي تحدث عنها بعض المفكرين وعممها لتعم المجتمعات المسلمة!

ونحن دائمًا نحذر من أن تأخذ روشتة مكتوبة لشخص غيرك؛ فاحذر أن تأخذ روشتة مكتوبة لمجتمع جاهلي بما تعنيه كلمة جاهلي من أنه كافر ومعادٍ للشريعة، وتطبقها على مجتمع مسلم فيه انحرافات أو فيه جاهلية؛ ففرق كبير جدًّا بيْن مجتمع جاهلي ومجتمع فيه جاهلية, فالروشتة هنا تقول لك احتضن الجميع؛ لأنهم مسلمون ويحبون الإسلام وإن كان فيهم انحرافات، لكن يسهل جدًّا أن تُعالَج لو وَجدوا مَن يحنون عليهم, ووجدوا من يعلمهم, ووجدوا من يشعر معهم بشعور الجسد الواحد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية