شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

في انتظار الكارثة!

عصام حسنين • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

حقًّا إن التاريخ ذخر، ووعاء للعبر والدروس، وما زلتُ مع كتاب "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ"؛ هذا الكتاب التاريخي الخطير الذي أجد فيه كثيرًا من الأحداث تشبه أحداث حاضرنا، وفيها الحل والمخرج لكثير من الورطات التي ورطنا فيها قيادة لم تدرس تاريخها جيدًا، وما زال مسلسل التوريط مستمرًا!

وكنت أظن بعد مقالِي "لقاء عاصف مع حبيب" أن القيادة ستغير من موقفها! لكني فوجئت بأنهم يسوقون جماعتهم إلى الحتف سوقًا، ومن ورائهم يضرون الدعوة عامة! فتخرج الفيديوهات من آن لآخر من المخبأ -بأوامر وبيانات هي أوهام لا تمت للواقع بصلة- تطالب بالمسير في الطريق نفسه دون التفكير في بدائل واقعية للخروج من المأزق!

ومن باب التذكير والنصح للمسلم أستكمل الجزء الخاص بما بعد لقاء الأستاذ "محمود عبد الحليم" وإخوانه مع "عبد الناصر"؛ لعله يكون مخرجًا أيضًا من هذه الذروة التي وصلت إليه الورطة!

يقول الأستاذ محمود -رحمه الله-: "أذكر أن اجتماعنا بجمال عبد الناصر كان قبل اجتماع الهيئة التأسيسية بيومين أو ثلاثة على الأكثر، وكنت متفائلاً بعد خروجنا من بيت جمال لثقتي في أن يؤدي اجتماع الهيئة إلى معاونتنا في تحسين الموقف أو في التخفيف من حدته للأسباب الآتية:

أولاً: أن الوفد الذي مثل الإخوان في الاجتماع بجمال كان فوق الشبهات إذ يضم أعرق الإخوة في الدعوة، وأعلاهم ثقافة، وأشدهم غيرة، وأقدرهم على تقدير الموقف، وهم موضع احترام الجميع.

ثانيًا: أن الذي سيرأس الجلسة ويدير النقاش فيها هو الدكتور خميس نائب المرشد وهو أحد أعضاء الوفد.

ثالثًا: أنني اتفقت مع الدكتور خميس في ترتيب بنود جدول أعمال الجلسة أن يكون عرض مذكرتي أول هذه البنود، وأن يتيح لي فرصة قراءة هذه المذكرة وشرحها، وكان هو واثقًا بأن قيامي شخصيًّا بهذا الدور كافٍ أن يقنع إخوان الأقاليم وهم الكثرة الغالبة من أعضاء الهيئة، وكان ثقة الدكتور خميس هذه مبنية على ما كان يَعرف من حب هؤلاء الإخوان لي، وتقديرهم لآرائي لحسن ظنهم بي في عزوفي عن المناصب، وإيثاري البعد عن مواطن الشهرة، ولأنهم يعلمون أنني ملم من أسرار الدعوة بما لا يلم به أكثر قادتها؛ هذا هو ما كان يبعث في نفسي التفاؤل بما قد يتمخض عنه هذا الاجتماع.

أما العقبات التي كانت ماثلة أمامي ولابد من اقتحامها لإنجاح الاجتماع فهي:

أولاً: أن إخوان الأقاليم من أعضاء الهيئة التأسيسية يكادون أن يكونوا في عزلة عن حقائق ما يجري في القاهرة فهم خالو الأذهان عنها، وكل ما يصل إلى أسماعهم هو نشرات تشحنهم شحنًا يعدهم لدخول معركة فاصلة.

ثانيًا: أن الظروف لم تتح لنا فرصة للمرور على هؤلاء الإخوان في الأقاليم لشرح حقائق الموقف لهم حتى يحضروا الجلسة وهم ملمون بكل أطراف الموضوع، وكان هذا الإجراء ضروريًّا لولا أن ما وصلنا إليه من نتائج لم نصل إليه إلا قبل يومين فقط من موعد انعقاد الهيئة المحدد من قبل.

ثالثًا: أن المرشد العام مستمر في إصدار النشرات والبيانات من مخبئه لتزيد النار اشتعالاً، ومعلوماته ناقصة عن حقائق الموقف وما استجد بعد اختفائه من معلومات تدل على أننا مكشوفون للطرف الآخر دون أن ندري!

رابعًا: أن الإخوة المسيطرين على المركز العام والمتصلين بالمرشد في مخبئه لا يريدون أن يقتنعوا بوجهة نظرنا، بل إنهم يرون في تحركنا تخاذلاً وانحرافًا، وإن كانوا لا يبدون به، ولكن تصرفاتهم إزاءنا كانت توحي بذلك، كما توحي بانعقاد عزمهم على أن يخوض الإخوان المعركة على أساس من معلوماتهم القاصرة، ولا قِبل لهم بسماع آراء أخرى، ولا بالسماح بتوصيل هذه الآراء إلى المرشد العام؛ اعتقادًا منهم بأن هذه الآراء تفت في عضد الإخوان، وتعوق الخطة التي وضعوها لشحن الإخوان وإعدادهم لخوض المعركة!

مفاجأة المفاجآت أو انفجار اللغم:

كنا قد أبلغنا إخواننا المسئولين بالمركز العام بنص ما تم الاتفاق عليه من قرارات في اجتماعنا بجمال عبد الناصر فور انتهائنا من هذا الاجتماع، وكان أملنا أن يعاوننا إخواننا هؤلاء في النهوض بما يخصنا نحن الإخوان من هذه الشروط أو القرارات، وأهم ما فيها: "إيقاف النشرات"، وهم وحدهم القادرون على تنفيذ هذه الشروط؛ لأنهم هم المتصلون بالأستاذ المرشد، ولكن الذي حدث كان عكس ما توقعناه...

ففي الليلة المقرر عقد جلسة الهيئة التأسيسية فيها، وفي أثناء توارد وفود إخوان الأقاليم، وقبل موعد الاجتماع بنحو ساعة - فوجئنا بمنشور صادر عن المرشد العام يوزَّع على هؤلاء الإخوان يحرضهم فيه على مواجهة رجال الثورة ويرميهم بما يشبه الكفر، ومع أن هذا المنشور كافٍ أن يقوض كل ما بنيناه؛ فإننا لم نيأس لأن آمالنا كانت معقودة على جلسة الهيئة التأسيسية التي نشرح للأعضاء فيها الموقف شرحًا يبصرهم بما خفي عنهم من جوانبه ونواحيه، ثم نكلهم بعد ذلك إلى عقولهم وضمائرهم... وهم نعم الأكفاء.

رأينا الأخ الأستاذ "عبد القادر عودة" يصعد هو الآخر إلى المنصة وينحي الأخ الدكتور "خميس" -رحمهما الله- في غير رفق، ويقول له: أنا أحق منك بإدارة الجلسة، ولشدة المفاجأة، وهول المباغتة، وخشية أن يُؤَوَّل الموقف على أن الإخوان يتنازعون المناصب تنحى الدكتور خميس... وسكتنا -نحن الحاضرين- ونحن في ذهول من هذا التصرف المفاجئ وما فيه من تعدٍ على الحقوق، وخروج على النظام! وقلنا في أنفسنا: ربما كانت في نفس الأخ الأستاذ عبد القادر بقية من تأثر لما اتخذه الأستاذ المرشد إزاءه حين كان مفتونًا برجال الثورة؛ فلعل تبوأه منصب رياسة هذه الجلسة يمحو من نفسه هذه البقية.

خطة مدبرة:

الصفحة التالية