في انتظار الكارثة!
عصام حسنين • السيرة والتاريخ
ولكن ما لبثنا بعد برهة أن فهمنا أننا قد تورطنا بحسن الظن، وعلمنا أن المسألة لم تأت عفوًا، ولا جاءت بدافع شخصي، وإنما هي خطة مدبرة... تكشف لنا أن إخواننا المسئولين في ذلك الوقت عن المركز العام لما يئسوا من أن أسحب مذكرتي أو أن أتراجع عن خطتي رتبوا خطة أخري لإحباط جهودي وجهود من معي... وكما كان الأخ الأستاذ عبد القادر -رحمه الله- هو رسولهم إليَّ في محاولتهم الأولى فقد اتخذوا منه هو نفسه الأداة المنفذة للخطة الجديدة، وهي خطة مضمون لها النجاح؛ لاسيما وقد احتفظوا لها بالسرية التامة، وأحاطوها بستار كثيف من الكتمان.
كما أنهم كانوا واثقين من أننا مهما قلبنا الأمور، واستعرضنا مختلف الاحتمالات -لأننا في استعراضنا للاحتمالات لم ولن نخرج بها عن حدود ما يمكن أن يحدث في المجتمع الإخواني القائم على المثل العليا والخلق الرفيع- فلن يخطر ببالنا هذا الذي بيتوه، ولكن يبدو أن إخواننا هؤلاء في هذه المرة -وإني أعدها منهم سقطة- قد استباحوا القاعدة الميكافيلية التي تقول: "إن الغاية تبرر الوسيلة!"، فأمام ما اعتقدوا أنهم على الحق وأن طريقهم هو الطريق الأمثل لمصلحة الدعوة، وعلى أساس أن التيار المخالف لهم صار من القوة بحيث لا يستطيعون التصدي له بالأساليب المشروعة... لجئوا إلى أسلوب "وإن كان غير كريم"؛ إلا أنه يضمن لهم تحقيق ما يأملون.
"قلتُ -عصام حسنين-: لا يجوز في أخلاق الإسلام هذه القاعدة الميكافيلية، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وإنما المشروع هو التعامل بأخلاق الإسلام وتعليم الناس السياسة الشرعية "لاسيما المسئولون منهم" من الصدق والأمانة، والحرص على المصلحة العامة، وإنزالهم منازلهم، واستعمال الرفق واللين معهم وإن جفوا فإن ذلك سيأتي بنتائج طيبة -إن شاء الله-، ثم الملاحَظ أن هذه القاعدة بدأت كذلك، ثم مع الزمان صارت تطبق على الجميع!".
تفاصيل الخطة:
والذي أكد لنا أن هذا الذي فوجئنا به إنما هو خطة مدبرة، وخطوات مدروسة، وأسلوب تمخض عن بحث مستفيض - هو أن الأستاذ عبد القادر حين استوى على المنصة تناول من الدكتور خميس الورقة المكتوب فيها جدول الأعمال، وكان أول بند فيها عرض مذكرتي وقيامي بشرح الموضوع من جميع جوانبه، ويلي هذا البند بنود أخري عادية، فإذا بالأستاذ عبد القادر يبدأ مخاطبة أعضاء الهيئة بقوله: "يشتمل جدول الأعمال على البنود الآتية: بند موضوع العلاقات بيننا وبين رجال الثورة، وهناك لجنة وكل إليها أمر الاتصال بهم منذ قامت الثورة ويجب أن نسمع منها ما تم في هذا الصدد.
فقام بعض أعضاء الهيئة القاهريين الذين يعلمون أهمية قراءة مذكرتي وقالوا: نسمع أعضاء اللجنة، ولكن يجب أن نسمع مذكرة فلان أيضًا؛ لأنها في غاية الأهمية. فقام آخرون قاهريون -وهم من الإخوة المسئولين عن المركز العام في ذلك الوقت- وقالوا: لا داعي لقراءة مذكرة فلان... وكانت نبرات صوتهم توحي بأن زمام المبادرة أضحي في أيديهم.
ويبدو أن اتصالاً كان قد تم بين هؤلاء وبين إخوان الأقاليم ألقى في روعهم أن مذكرتي ومَن يؤيدها ليست في مصلحة الدعوة، وإذا لم يكن قد تم هذا الاتصال فيكفي لإثارة شعورهم ولإشعال حماسهم ضد كل ما فيه معنى تقريب وجهات النظر ما تلقوه صادرًا عن الأستاذ المرشد ساعة حضروا لي المركز لحضور الاجتماع، وطال الخلاف بين أعضاء الهيئة، واحتدم النقاش، وتعالت الأصوات حول موضوع المذكرة، وكان الفصل الأخير من المسرحية التي وُضعت بدقة، وأُخرجت بإحكام أن قال الأستاذ عبد القادر واثقًا: "حسمًا للخلاف نلجأ إلى الهيئة ونأخذ الأصوات: هل تقرأ مذكرة فلان أم لا تقرأ؟" وأخذت الأصوات فكانت الأغلبية في جانبهم، وهو ما كانوا واثقين منه، وإلا لما لجئوا إلى هذا الأسلوب.
تم إجهاض جهودنا:
وبذلك تم إجهاض جهودنا، وبدأ اليأس يدب إلى نفوسنا، وفكرنا في مغادرة الاجتماع، ولكننا خشينا أن يؤخذ ذلك على أنه نوع من التمزق في صفوف الإخوان، ومع أننا نحن وحدنا دون بقية إخوان الهيئة الذين كنا نعلم ما سوف يحيق بالإخوان من التنكيل بعد إهدار آخر سهم في جعبتنا لإنقاذ الموقف، فإننا قررنا ألا ننجو دونهم من أن نكون معهم حطامًا لنيران أوقدوها أو ساعدوا على إيقادها ثم حالوا بيننا وبين محاولة إطفائها، وقد يسأل سائل: ما الذي قيل في الاجتماع وما القرارات التي انتهي إليها؟! ونجيب هذا السائل فنقول: إنك تستطيع أن تستنتج كل ذلك من اجتماع كانت مقدماته ما عرفتَ... !
الأسلوب الحكيم:
لما تم الفصل الأول من المسرحية وانتقلت إلى فصلها الثاني، وعنوانه: "التهاتر بين الممثلين والمشاهدين" الذي لم يخرج عن كونه تراشقًا بالألفاظ -وإن كانت الصحف ظهرت في صبيحة اليوم التالي تصوره على أنه كان تماسكًا بالأيدي!- اقترح عليَّ بعض إخواننا أن أطلب الكلمة وأعرض فكرتنا، ولكنني رفضت، وكان رفضي يقوم على الحجة التالية: كان الجو في أعلى درجة من درجات التوتر... وفي مثل هذا الجو لا ينبغي لصاحب رأي معارض أن يعرض رأيه ارتجالاً، وإنما لابد من أن يكون العرض عن طريق مذكرة مكتوبة، وهو ما قصدت إليه من كتابة المذكرة، ومن أن أبدأ عرضي لرأيي بقراءتها عليهم؛ لأن المذكرة حين كتبتها راعيت فيها تنظيم الأفكار وتسلسلها، ومراعيًا فيها مخاطبة العواطف تارة، ومخاطبة العقول تارة أخرى، كما راعيت أن تكون موجهة مني للمرشد العام وفي هذه طمأنة للسامعين.
ويبدو أن هذه المعاني كانت بعض ما دفع إخواننا هؤلاء إلى الحيلولة دون سماع إخوان الهيئة هذه المذكرة مني، فلا يكون أمام إخواننا المناصرين لفكرتنا في الإصلاح إلا الارتجال الذي -في هذا الجو- لا يكاد يبين، وقد تنبهت لهذا فرفضت أن أتكلم في هذا الجو مرتجلاً.
القـرار: