في انتظار الكارثة!
عصام حسنين • السيرة والتاريخ
وخلاصة ما كان أن ظل الاجتماع ما ظل... لا تسمع إلا تهاترًا؛ هذا يطلب محاولة الإصلاح، وآخرون يردون عليه بصوت أعلى يرفضون الإصلاح! ثم كان القرار وهو: "تكليف اللجنة التي كان موكولاً إليها الاتصال برئيس الحكومة، وإخطار الهيئة بنتائج هذا الاتصال في اجتماع الهيئة التأسيسية القادم"، ولا أذكر التاريخ الذي حدد له.
معنى هذا القرار:
ومعنى هذا القرار هو أنك تريد أن ترغم الجانب الذي أضحى بيده زمام المبادأة على التحدث مع لجنة أعلن رفضه الاتصال بها من قبل، متهمًا أعضاءها بتهم مختلفة، منها: سوء النية، ومنها: عدم الأمانة في نقل الأحاديث... تريد أن ترغمه على استقبالها والتحدث معها؛ وإلا فلا كلام معه!
وأنا أعود هنا وأقرر أنني شخصيًّا لا يخامرني شك في هؤلاء الإخوة -أعضاء لجنة الاتصال- في حسن نيتهم وفي أمانتهم في النقل، ولكنني مع ذلك أرى أن هناك بواعث نفسية لا يمكن إغفالها تتدخل في العلاقات بين الناس بعضهم مع بعض، فتجعل إنسانًا مقبولاً عند شخص من الأشخاص ولا تجعله هو نفسه مقبولاً لدى شخص آخر... وكل من الشخصين ينتحل أسبابًا يبرر مسلكه نحو هذا الإنسان، وقد لا تمت هذه المبررات إلى الواقع بصلة.
أما في الصلات الفردية فقطع الفرد صلته بفرد آخر لا يقبله أمر سهل، فقد يجد الفرد عشرات من الأفراد آخرين يقبلون ويرحبون، وفي هذا يقول الشاعر:
كلانا غني عن أخيه حياته ونحن إذا مـتنا أشد تغـانيا
أما أصحاب الدعوات في علاقاتهم مع الحاكم -إذا ما أريد تحسين العلاقات أو التخفيف من التوتر أو تفادي أزمة- فعليهم أن يكونوا من المرونة بحيث لا يصرون في جميع الظروف ومختلف الأحوال على أن يكون الاتصال مقصورًا على أشخاص معينين، مهما أظهر الحاكم ضيقه بهؤلاء الأشخاص، بل عليهم أن يبادروا من تلقاء أنفسهم باختيار آخرين وآخرين حتى يصادف وفد منهم قبولاً نفسيًّا من الحاكم فيصل معه إلى حلول للمشاكل المستعصية.
وأذكر في هذا المقام ما سبق لي قوله في الجزء الثاني من هذه المذكرات حين كنت أتحدث عن "حسن البنا" فقلت: إنه كان من المرونة وسعة الأفق بحيث كان لديه لكل موقف الكثير من البدائل، وحسبك أن تعلم أنه أمام محنة 1948م لم يكتفِ بتوسيط الأحباب والأصدقاء بينه وبين الحكومة، بل لجأ في بعض الأحيان إلى الأعداء متغاضيًا عن سابق مواقفهم، وأعتقد أن المرشد العام "حسن الهضيبي" لو أن الظروف أتاحت له أن يلم بما جدَّ من تطورات لما وافق على سياسة الجمود التي مثَّلها قرار الهيئة، ولوجد في "سياسة البدائل" ما يعين على الخروج من المأزق.
الفصل الثاني: في انتظار الكارثة:
لم يكن إخواننا هؤلاء ولا إخوان الأقاليم يتوقعون ما كنا نتوقعه من أهوال ستنصب على رءوسنا صبًّا؛ لأنهم حجبوا أنفسهم عن الحقائق، ورضوا أن يعيشوا سابحين في الأوهام، ولم يصدقوا ما أنذرتهم من أن أسرارنا مكشوفة لهؤلاء الناس، وأرادوا أن يفرضوا على الواقع ما تخيلوه من أوهام!
والتضحية بالنفس والمال لا تغلو على الدعوة، بل إنها أمنية ترنو إليها نفوسنا جميعًا، ولكن ليس معنى هذا أن يطالب الإخوان بتقديم تضحيات دون مبرر، فإذا كانت هناك مندوحة لإرجاء هذه التضحيات أو لتقليص حجمها؛ فيجب أن نضن بكل قطرة دم، بل وبالخدش "مجرد الخدش" يصيب أخًا من الإخوان، ما لم يكن الضن به عقوقًا للدعوة، وتضييعًا لحقها، وفي الحديث: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنَ الآخَرِ، إِلا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ" (متفق عليه) .
ولقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حريصًا على حقن دماء أصحابه، فلم يقاتل بهم مكشوفين للعدو، ولم يقدهم إلى زحف إلا بعد أن يتحسس لهم الطريق، ويرسل السرايا لتعرِف له قوة العدو، ومواضع الضعف فيه، وقد يبعث إليهم من يعطيهم معلومات مضللة عن جيش المسلمين، فإذا اطمأن بعد كل ذلك باغت العدو بالزحف باذلاً من جيش المسلمين أدنى حد من التضحية، محققًا أعظم قدر من النصر.
وهكذا كان يفعل الإمام الشهيد، وسبق أن أوضحت في أبواب سابقة إلى أي حد كان حرصه على دماء الإخوان، وعلى مالهم ووقتهم، وما إخال المرشد العام "حسن الهضيبي" إلا كان فاعلاً مثلما فعل الإمام؛ إلا أن اختفاءه حال دون تزويده بمعلومات لو أنه علمها لما اتخذ من الإجراءات ما اتخذ.
غادرنا اجتماع الهيئة التأسيسية، ونحن نقول: وداعًا أيتها الدار... كنا نعرف ما نحن مقبلون عليه، وما ينتظر الإخوان في كل مكان مِن ظلم وعسف وتنكيل، ولكننا أو أقول في نفسي بالذات: إنني كنت مرتاح الضمير؛ لأنني بذلت آخر ما في وسعي لدفع النكبة عن إخوان لي في القاهرة والأقاليم، ولكنهم رفضوا... فكنتُ وإياهم كما قال الشاعر العربي:
أبتغـي إصلاح سُعـدى بجهـدي وهي تسعى جهدها في فسادي
وقد أيقنتُ أن لن يكون هناك اجتماع بعد اليوم، فقررت أن أترك عملي وأسافر إلى بلدتي "رشيد" أطلب إجازات حتى أستنفذها ثم أظل بها حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً، وسافرت إلى رشيد أنتظر ما تتمخض عنه جهود إخواننا الذين نجحوا في إجهاض مساعينا، فكان أول خطوة قاموا بها أنهم ذهبوا يطلبون مقابلة جمال عبد الناصر، ولكنهم انصرفوا حين جاءهم رسول منه يقول لهم: إن الرئيس يرفض مقابلتكم!" (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ 3/ 385-394) .
وإنا لله، وإنا إليه راجعون!
وإلى مقال آخر -إن شاء الله- أذكر لكم فيه موقفًا من التاريخ يبيِّن صواب مشاركة "حزب النور" في "لجنة الخمسين" ولو بواحد.
والله المستعان!