شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ترشُّح الأستاذ المرشد لمجلس النواب!

عصام حسنين • السيرة والتاريخ

وقد أوردت ما جاء بتقرير الأمن العام عن هذه المقابلات؛ لأنه هو فعلاً نص ما حدثنا به الأستاذ المرشد عقب رجوعه من كل من المقابلتين، فقد كنا في ذلك الوقت في المركز العام ننتظر رجوعه على أحر من الجمر؛ لأن موضوع الترشيح كان أمرًا جوهريًّا بالنسبة لنا "ولجميع الإخوان في أنحاء البلاد"، ولهذا فإنه رأى بعد أن قص علينا ما حدث أن ننتقل إلى الإسكندرية، وطنطا وغيرها من العواصم ليقصه عليهم؛ حتى يكون الجميع على صورة واضحة من الموضوع، وموقف الأستاذ المرشد في هذا الموضوع كان أحد المواقف القليلة التي جاء رأيه النهائي فيها صدمة لمشاعر الإخوان وعواطفهم، فما من أحد من أنحاء البلاد إلا وشعر بهذه الصدمة التي تمثلت لنا في صورة فرصة أفلتت منا بإرادتنا، ولو أننا تمسكنا بها لأفادت الدعوة منها أعظم فائدة، ولم يسلِّم الإخوان للأستاذ المرشد بما طلبه إليهم، ولم ينزلوا على رأيه إلا للثقة التي لا حدود لها فيه، وللاطمئنان الكامل إلى إخلاصه ومقدرته، وبعد نظره وحسن تدبيره للأمور.

وتقريرًا للواقع أقول: إن هذا الموقف الذي وقفه الأستاذ في هذا الموضوع -وإن كان قد جرعنا في أوله بعض المرارة-؛ إلا أنه عاد على الدعوة بما لا حصر له من الفوائد، وحسب القارئ أن يعلم أن قوة الإخوان المسلمين في ظل هذا الموقف -وفي خلال أربع سنوات بعده- قد تضاعفت أضعافًا كثيرة كمًا وكيفًا حتى صارت أقوى هيئة شعبية في مصر وفي البلاد العربية على الإطلاق، ومع أن حزب الوفد الحاكم في ذلك الوقت كان حريصًا على أن يخرج من تجربته هذه مع الإخوان بكسب معنوي لحسابه، فإن الإخوان قد خرجوا منها بمكاسب لدعوتهم لا يقاس بأدناها كسب الوفد -إن كان قد كسب شيئًا- فضلاً عما أشرنا إليه آنفًا من انفتاح كل الطرق أمام الإخوان لبث دعوتهم في كل مكان دون عوائق، وإن هناك مزايا أخرى ما كانت لتنجز وتتخذ سبيلها إلى واقع الحياة في مصر لولا هذين اللقاءين الذين تما بين الأستاذ المرشد والنحاس باشا.

وعلى رأس هذه المزايا:

1- إحياء الأعياد الإسلامية لاسيما مولد النبي -صلى الله عليه وسلم- وجعله عيدًا رسميًّا للدولة، وقد أصدر رئيس الحكومة حديثًا رسميًّا مستفيضًا تحية لهذه الذكري الكريمة -" قلت: ليس في أعياد المسلمين إلا عيدان: الفطر والأضحى كما جاء عنه -صلى الله عليه وسلم-، وما الاحتفال الحقيقي بمولده -صلى الله عليه وسلم- إلا بإقامة دينه وتحكيم شرعه، لا احتفالات وشعارات ثم تضييع الشريعة كما رأينا ممن تعاقبوا على حكم بلاد المسلمين! "-.

2 - إلغاء البغاء في أنحاء البلاد "وكان وصمة عار في جبينها".

3 - قانون بوجوب استعمال اللغة العربية في تعامل جميع الشركات والمؤسسات ومراسلاتها.

4 - تحريم الخمر -وإن كان التحريم قد اقتصر على المناسبات الدينية-.

5 - بذل جهد مشكور في وضع أساس إنشاء الجامعة العربية.

وقد كان الأستاذ المرشد قد أخبرنا فيما أخبرنا به عما دار بينه وبين النحاس باشا في هذين اللقاءين أنه كان حريصًا أن يلقي في روع النحاس باشا أن تنازله عن الترشيح لابد أن يقابله ما يسد هذه الفجوة بعمل إسلامي تقوم به الحكومة يثلج صدر الشعب الذي كان يؤمل الكثير من العمل الإسلامي من وراء دخولي مجلس النواب، وقال له: إن العمل الإسلامي الذي تقوم به الحكومة يقربها إلى نفوس الشعب، ويرفع اسم زعامة الوفد... وقد تعهد النحاس باشا بالنهوض بهذه المطالب، وقد وفَّى الرجل بتعهده، وقد ألقى عقب هذين اللقاءين حديثًا ضمنه هذه المعاني التي اتفق عليها، وعقب صدور هذا الحديث عن النحاس باشا تقابل عبد الواحد الوكيل باشا مرة أخرى مع الأستاذ المرشد، واقترح عليه أن يصدر بيانًا يسجل فيه أن التنازل قد تم احترامًا لقرار الوفد بترشيح شخص آخر، ويعلن فيه تأييده لسياسة الوفد في التعاون مع بريطانيا لتنفيذ معاهدة التحالف؛ فرفض الأستاذ المرشد ذلك، واكتفى بذكر فقرات في خطاب النحاس باشا معلنًا أن الإخوان عون له في سياسة الإصلاح الديني والاجتماعي... ونثبت هنا نص الخطاب الذي وجهه الأستاذ المرشد إلى النحاس باشا كما نُشر بجريدة المصري يوم 23 مارس سنة 1942م تحت عنوان: الإخوان المسلمون يستجيبون لنداء الزعيم، ويعلنون أنهم عون للحكومة في تحقيق برنامجها الإصلاحي.

كتاب قيم من المرشد العام للرئيس الجليل:

بسم الله الرحمن الرحيم.

حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة المصرية.

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وأحييكم، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد....

فقد تحدثتم رفعتكم إلى الأمة المصرية حديثًا رائعًا جميلاً، ضمنتموه كثيرًا من المبادئ القويمة والأماني الطيبة التي يسر كل مصري أن يحققها الله على أيديكم... فقد أشدتم بالصراحة والتعاون والإخلاص، ودعوتم الأمة إلى مصارحتكم والتقدم إليكم بالنصح، ووددتم أن تمتلئ صدورنا جميعًا بهذه المعاني السامية (فنحن أبناء أسرة واحدة، وهي الأسرة المصرية الكريمة).

وقررتم رفعتكم أنه من دواعي سروركم أن تتعاون الأمة والحكومة في هذه الظروف الدقيقة في تنفيذ سياسة خارجية حكيمة، وتصميم سياسة داخلية بصيرة... فالواجب يقتضينا والمصلحة تدعونا إلى أن ننفذ بإخلاص وحسن نية أحكام المعاهدة التي وقعناها بمحض اختيارنا وملء حريتنا، وقصدنا من ورائها سلامة استقلالنا القومي والاحتياط لمثل هذه الظروف العصيبة، كما أن الحكومة ساهرة على اتباع سياسة عمرانية عاجلة لخير الطبقات الفقيرة قبل غيرها... ومن واجب الحكومة والبرلمان أن يضعا في رأس برنامجهما درس المسائل الاجتماعية، والسعي إلى حلها حلاً سريعًا حاسمًا، وقد أشرتم إلى التطور الجديد في حياة العالم كله تطورًا "هو مقدمة لتطور أعمق غورًا وأبعد أثرًا يجعل مظهر العالم في غير مظهره اليوم!".

الصفحة السابقة الصفحة التالية