شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ترشُّح الأستاذ المرشد لمجلس النواب!

عصام حسنين • السيرة والتاريخ

"ترشيح المرشد العام لمجلس النواب سنة 1942م: كان هدف الأستاذ المرشد من وراء هذا الاحتكاك -الترشح لمجلس النواب- تمهيد السبيل لتثبيت دعائم الدعوة في أنحاء البلاد، وتأمين خطواتها في هذا السبيل حتى تستكمل كل وسائل القوة المعنوية والمادية!

ومن المسلَّم به أن أية دعوة ذات أهداف نبيلة وبرامج إصلاحية تريد تحقيق هذه الأهداف والبرامج ينبغي أن يكون من وسائلها إلى ذلك، العمل على الوصول بأعضائها إلى مقاعد المجالس التشريعية -" قلت: وسائلها المشروعة مع الانتباه أنه من وسائلها، وليس وسيلة وحيدة للدعوة والتغيير "-، ولا يتأتى ذلك إلا بخوض المعارك الانتخابية، ومن بدائه الأمور أنه كلما كان عدد النواب لهيئة من الهيئات أكثر كان تحقيق آمالها أيسر، ولكن الإخوان كانوا يعتقدون أن حصولهم على مقعد واحد في مجلس النواب كفيل بأن يؤثر في هذا المجلس أبلغ التأثير إذا كان صاحب هذا المقعد هو "حسن البنا!"؛ ذلك أن لديه من قوة الشخصية والقدرة على الإقناع مع ما يتمتع به من روحانية فياضة وبلاغة آسرة ما يشد إليه الأسماع والعيون، والعقول والقلوب، وما يفعل في السامعين فعل السحر... ! وقد استطاع بهذه المواهب النادرة أن يجمع حوله من الأنصار "الذين يفتدون دعوته بأموالهم ودمائهم" مئات الألوف في أنحاء مصر، وغير مصر من الدول العربية والإسلامية.

لهذا اتخذ الإخوان قرارًا بترشيح المرشد العام عن دائرة الإسماعيلية في الانتخابات التي أعلنت حكومة الوفد إجراءها سنة 1942م... وإذا كان أعظم المرشحين لم يكن لتقدمه للترشيح من صدى إلا في دائرته التي ينتمي إليها، فإن تقدم "حسن البنا" للترشيح كان له صدى يتردد في جميع محافظات القطر، ومراكزه وحواضره وقراه، بل وقد تعدى ذلك الصدى إلى خارج مصر؛ ذلك أن في كل مكان من هذه الأماكن رجالاً ونساء يعقدون الآمال العريضة على هذا الترشيح، وينبغي أن يكون مفهومًا أن ترشيح "حسن البنا" في دائرة الإسماعيلية ليس له إلا معنى واحد هو أنه من قبل أن تجرى انتخابات قد صار عضوًا بمجلس النواب مهما نافسه في الترشيح مائة مرشح منهم رئيس الحكومة نفسها... ! وهذه الحقيقة التي يعرفها أهل الإسماعيلية، ويعرفها الإخوان في كل مكان "ويعرفها الانجليز أيضًا"، وإن كان يجهلها -حتى ذلك الوقت- فئات أخري، منهم: حكام مصر، ورجال الأحزاب المصرية الذين لم يستطيعوا أن يفهموا عن الإخوان المسلمين أكثر من أنهم جماعة تدعو إلى الدين الذي لا يخرج في تصورهم عن كونه طقوسًا وعبادات ومحاربة للمنكرات بالوعظ والإرشاد... بالرغم مما يبذله الإخوان من جهود لتوضيح فكرتهم عن الإسلام باعتباره دينًا ودولة، وعقيدة وشريعة، وبرنامجًا إصلاحيًّا شاملاً لجميع شئون الحياة.

تقدم الأستاذ المرشد يطلب الترشيح إلى وزارة الداخلية كالمعتاد... فما الذي حدث؟!

بعد أيام قلائل جاءه رسول من قِبَل مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة يدعوه لمقابلته.... وسأنقل هنا نص ما جاء في تقرير الأمن العام عن هذه المقابلة، وعن هذا الموضوع عامة، وقد نشره في جريدة الأهرام في "14-2-75" الدكتور عبد العظيم رمضان مدرس التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة طنطا ضمن وثائق نشرها، قال التقرير: "لم يكد يذاع خبر ترشيح الأستاذ حسن البنا ويدفع التأمين إلا واتصل به حضرة عبد الواحد الوكيل بك صهر حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا، وتكلم معه في موقف الإخوان المسلمين، وطلب منه الرجوع إلى رفعة النحاس باشا، وتكلم معه في موقف الإخوان المسلمين، وطلب منه الرجوع إلى رفعة النحاس باشا لكي يكون رفعته على بينة من أمرهم؛ لأن رفعته لديه فكرة غامضة عنهم، وبعد بضعة أيام تلقى دعوة بمقابلة رفعة النحاس باشا، وتمت المقابلة بفندق مينا هاوس، وقد طلب منه رفعة النحاس باشا أن يتنازل عن الترشيح، وصارحه رفعته أنه يطلب ذلك إيثارًا للمصلحة العامة ولمصلحته "أي مصلحة الأستاذ البنا" إن كان يريد الإبقاء على جماعات الإخوان المسلمين في مختلف البلدان، فرفض ذلك وقال إنه يستعمل حقًّا من حقوقه الدستورية، ولا يرى ما يمنعه من الترشيح، وإن كان هناك موانع فإنه يطلب بيانها لكي يتبين مبلغها من الصحة، وفضلاً عن ذلك فإن قرار الترشيح صدر من هيئة المكتب العام لجماعة الإخوان، وأنه شخصيًّا لا يملك الرجوع في ذلك.

فرجاه رفعة النحاس باشا أن يعمل على إقناع الأعضاء بالعدول عن ذلك، وأن رفعته رأى أن يدعوه لينصح له بالتنازل وإلا اضطر إلى اتخاذ إجراءات أخري يراها رفعته قاسية، ولا يرتاح إليها ضميره، ولكنه حرصًا منه على مصلحة البلد مضطر إلى تنفيذها، ولما استوضحه تلك الإجراءات؛ قال رفعته: إنها حل جماعات الإخوان المسلمين ونفي زعمائها خارج القطر؛ وتلك هي رغبة هؤلاء الناس -يقصد الإنجليز- الذين بيدهم الأمر يصرفونه كما يرون، ونحن مضطرون إلى مجاملتهم؛ خصوصًا في هذه المسائل الفرعية، وفي هذه الظروف العصيبة؛ لأنهم يقدرون على كل شيء، وفي استطاعتهم إن شاءوا أن يدمروا البلد في ساعتين.

وقد ترك رفعته فرصة للتفكير في الأمر، وأن تتم مقابلة أخرى في هذا الشأن، وقد عرض الأمر على هيئة مكتب الإرشاد فلم توافق الأغلبية على التنازل، ولكنه هو شخصيًّا وافق عليه لا خوفًا من النفي، ولكن حرصًا على قيام الجماعة واستمرارها في تنفيذ أغراضها، وأخيرًا استقر الرأي على التنازل، وتوجه مرة أخرى لمقابلة رفعة الرئيس بوساطة سليم بك زكي الذي بسط لرفعته دعوة الإخوان ومدى انتشارها في المدن والأقاليم، فانتهز هذه الفرصة وطلب من رفعته ضمانات بقيام الجمعية وفروعها، وعدم الوقوف في سبيلها، وعدم مراقبتها والتضييق على أعضائها للحد من نشاطهم؛ فوعده رفعته بما طلب.

الصفحة السابقة الصفحة التالية