شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات واقعية مع السيرة النبوية (خطبة مقترحة)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض من الخطبة:

ـ الوقوف على بعض الدروس والفوائد العظيمة التي اشتملتها حادثة الهجرة.

المقدمة: التقويم الهجري دليل على عظم شأن الهجرة (1) :

ـ اتفاق الصحابة على أن يؤرخوا للمسلمين بأهم حدث في حياتهم، وإن كانت الحوادث العظيمة كثيرة في حياتهم، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "الهجرة فرقت بين الحق والباطل".

ـ بالهجرة تأسست أول دولة للإسلام وأول نظام سياسي للمسلمين، وقد خلَّد القرآن هذا الحدث العظيم: قال الله -تعالى-: ( إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:41) .

ـ حاجتنا إلى الاستفادة من دروس الهجرة؛ لا سيما وأن كثيرًا منها يلامس واقعنا المعاصر.

الدرس الأول: إدراك طبيعة الحدث والفتن المحيطة به:

تمهيد: الهجرة حدث كبير وليس بالأمر الهين على كل إنسان، فلابد من فهم طبيعتها والظروف المحيطة بها لمن سيكون من أصحابها، فالهجرة تضحية بالوطن وبالأهل والمال، ولا يقْدر على تحمل ذلك إلا مَن تأهل لها قبلها، وكذلك كل حدث كبير لابد قبله من تأهيل.

ـ فتنة التعلق بالوطن:

- مكة أفضل وطن: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-عنها: ( وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ لَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ، مَا خَرَجْتُ ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .

ـ يثرب وطن مجهول، وفيه الوباء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صاعها ومدها وانقل حماها فاجعلها بِالْجُحْفَةِ ) (متفق عليه) .

ـ فتنة التعلق بالأهل (العون والنصير):

ـ حب الأهل غريزي، فكيف بالعربي الذي كان يعظم القبيلة؟! ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) (البقرة:170) .

ـ يهلكون أنفسهم عصبية للأهل والقبيلة: أبو طالب يقول عند موته: "عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ" (متفق عليه) .

ـ فتنة المال (العمار المادي للإنسان):

ـ حب المال غريزي: قال الله -تعالى-: ( وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا ) (الفجر:20) ، وقال: ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) (العاديات:8) .

ـ بغض الفقر غريزي: قال الله -تعالى-: ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة:268) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ ) (رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني) .

ـ ولذا لما نجح المهاجرون في تجاوز هذه الفتن مُدحوا في القرآن: قال الله -تعالى-: ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (الحشر:8) .

الدرس الثاني: أهمية التربية قبل تحمل المسئولية:

تمهيد: كيف تغلبت نفوس المهاجرين على هذه الفتنة؟ وكيف تم إعداد الأعوان الذين سيتحملون المسئولية لإقامة أكبر مشروع إسلامي عرفته البشرية، ودور القرآن في ذلك؟

ـ كان القرآن ينزل يلمِّح بالهجرة تارة، ويصرح بها أخرى، ويذكر فضلها وبقائها بعد الأنبياء، ومن ذلك:

ـ سورة الكهف تتحدث عن سنة الهجرة للفرار بالدين: ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا . إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا... ) (الكهف:9-10) .

ـ سورة إبراهيم تتحدث عن هجرة الأنبياء من قبل: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) (إبراهيم:13) .

سورة العنكبوت تتحدث عن الهجرة من خلال إشارات كثيرة حولها:

ـ ذكر المنافقين بما يدل على التمكين للمسلمين حتى يواريهم الكفار بالنفاق، وليس في مكة هذا الصنف: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ . وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ) (العنكبوت:10-11) .

ـ ذكر الأنبياء وما تعرضوا له حتى اضطروا إلى الهجرة: قال -تعالى- عن إبراهيم: ( وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (العنكبوت:26) .

ـ ذكر مناظرة أهل الكتاب وليس في مكة هذا الصنف: ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) (العنكبوت:46) .

ـ الإشارة إلى الهجرة عند الخوف على الدين: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) (العنكبوت:56) .

ـ ذكر الموت إشارة إلى التضحية في سبيل الدين؛ فالكل ميت: ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (العنكبوت:57) .

الصفحة التالية