وقفات واقعية مع السيرة النبوية (خطبة مقترحة)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
ـ ذكر الأرزاق إشارة إلى عدم ارتباطها بالوطن: ( وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (العنكبوت:60) .
ـ تصريح سورة النحل بهجرتهم وفضلها: ( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (النحل:41) .
ـ ثم تصريح النبي -صلى الله عليه وسلم- والأمر بالهجرة: ( قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ )، وَهُمَا الحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ" (رواه البخاري) .
الدرس الثالث: عدم التعجل واستكمال الإعدادات للحدث الكبير:
تمهيد: الهجرة حدث جلل سيهز الجزيرة العربية على المستوى الإقليمي، وتتغير بها خريطة العالم على المستوى الدولي، فهو أكبر مشروع للمسلمين في حياتهم، وهو إقامة دولتهم؛ ولذا فإنه محفوف بالمخاطر على جميع المستويات، فلابد من التحضير الهادئ والجيد لجميع جوانب هذا المشروع (المادية والشرعية)، وحساب المصالح والمفاسد، وإعمال موازين القوى؛ وإلا...
ـ تأخر خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة أكثر من عامين بعد لقاء الأنصار لإعداد دار الهجرة -مقر الإسلام الذي سينطلق منه- من جميع الجهات والمستويات (المادية - الشرعية).
فأما الجانب المادي:
ـ اختيار المدينة لمنعتها الحربية: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ ) (رواه البخاري) .
ـ الثقة من النصراء والأعوان في تحمل المسئولية: قال في بيعتهم: ( أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ ) وكان ردهم: "لَنَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَزِرَّتَنَا فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاللَّهِ أَهْلُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ" (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
ـ مواقف شاهدة على الوفاء بالعهد: (موقفهم يوم بدر - موقفهم يوم الأحزاب لما همَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بإعطاء غطفان نصف الثمار).
وأما الجانب الشرعي:
ـ تجهيز المجتمع الجديد لاستقبال نظام الإسلام (الدعوة التمهيدية): (إرسال مصعب بن عمير - إعداد كوادر دعوية قبل وصوله صلى الله عليه وسلم).
ـ أثر دعوة مصعب والكوادر الدعوية على سبيل المثال لا الحصر: (إسلام سعد بن معاذ سيد الأنصار - قصة إسلام عمرو بن الجموح).
ـ قبول النفوس الأعباء الاقتصادية المترتبة على الهجرة: (سبق تأهيل المهاجرين - وأما الأنصار فبالدعوة التمهيدية).
الدرس الرابع: المفهوم الصحيح للثبات والصمود والنصر:
تمهيد: لقد كانت الهجرة والفرار بالدين، والانسحاب من المواجهة مع المشركين والتخفي عند الخروج هو الصمود الحقيقي؛ حيث الإبقاء على الدعوة الإسلامية، والنصر الحقيقي؛ حيث النظر البعيد للمآلات، والثبات الحقيقي؛ حيث حفظ القوة من الاستئصال والإبادة في المواجهة غير المتكافئة.
ـ الشرع لا يضرب بعضه بعضًا: فالذي قال: ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ) (البقرة:249) ، هو الذي قال أيضًا: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:65-66) . فافهم الفرق!
ـ لماذا لم يواجِه النبي -صلى الله عليه وسلم- المشركين في مكة بأعظم قلة عرفتها البشرية؟! ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) (النساء:77) .
ـ لماذا غيَّر الطريق، وتخفى عند الخروج؟ وهل كان ذلك جبناً؟! ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ... ) (الأنفال:60) .
ـ لماذا سكن عند حلول المشركين على باب الغار؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر -رضي الله عنه-: ( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) (التوبة:40) ، ( يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا ) (متفق عليه) .
- ولماذا امتدح النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلمين المنسحبين من المواجهة في "مؤتة" لما كانت المواجهة فوق الطاقة؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) (رواه البخاري) .
ـ الذي يسع الفرد لا يسع الجماعة في كل حال: (الفرق بين موقف عمر والنبي -صلى الله عليه وسلم- عند الهجرة هو الفرق بين مسلم والمسلمين).
خاتمة: ما أكثر دروس الهجرة وفوائدها، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
نسأل الله أن يهدينا إلى سبيل نبينا الهادي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه المهتدين.