مناهج الإصلاح (6) إصلاح الدولة في ظل النظم الحديثة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المشاركة السياسية في ظل النظم الدستورية الحديثة:
فقد ذكرنا في المقال السابق بعض معالم صلاح الدولة في النظام الإسلامي، وفي الواقع فإن هذا المجال من مجالات الإصلاح يتميز دون غيره بهوة المسافة بين المطلوب والمأمول، بل يتعدى ذلك إلى أن الإطار العام نفسه قد اختلف كثيرًا عن الإطار العام للدولة في النظام الإسلامي الذي يُبنى على ما ذكرنا من أسس في المرة السابقة، وهذا بخلاف جانب إصلاح الفرد حيث يظل تعاملنا في الأعم الأغلب مع أشخاص لديهم الإطار العام للشخص المسلم المحب لدينه الذي لديه أصل الانقياد للشرع، وأصل حب الخير وكراهية الشر.
كما أن المجتمع ما زال قائمًا على أن لبنته الأساسية هي الأسرة، ويحافظ كثير من أفراده على التكافل فيما بينهم، وإن اهتزت فيه معاني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتشوشت مصادر ثقافته، في حين نجد أن الإطار العام للدولة الحديثة قد اختلف اختلافًا بينًا عن الإطار العام في السياسة الشرعية، ومع التسليم بأن نظام الحكم الذي قرره الفقهاء في كتب السياسية الشرعية بعضه مستفاد من نصوص شرعية، وبعضه مبني على اجتهاد، فإن الاجتهاد جاء مكملاً للأصل بحيث صار لدينا نظام متكامل قائم على أسس، منها: أن الانتماء للدولة انتماء عقدي، وأن دور الدولة هو حفظ الدين وسياسة الدنيا بالدين، وعلى الشورى كأساس عام بآليات قامت الأمة بتنقيحها جيلاً بعد جيل.
في حين أن نظم الحكم المطبقة فعليًّا في البلاد الإسلامية قائمة على مبدأ الدولة القطرية القائمة على المواطنة، وعلى أن دور الدولة هو إدارة الموارد وحفظ النظام (الذي يُدخِل فيه البعض حراسة القيم) إلى آخر ذلك، ومِن بيْن كثير من أنماط الحكم ساد النمط الديمقراطي، وصارت غاية آمال الشعوب أن يُطبَّق فيهم نظام ديمقراطي حقيقي.
والديمقراطية تختلف عن الشورى في فسلفتها، وفي آلياتها؛ ناهيك عن أن الديمقراطية التي تطبق في بلاد المسلمين عادة ما تأخذ مساوئ الديمقراطية الغربية وتترك محاسنها؛ فلا تُطبَّق إلا من الناحية الشكلية التي لا تتيح الاستفادة حتى بما ما في الديمقراطية من محاسن، وهذا الوصف الأخير (ما في الديمقراطية من محاسن) لعله يلقى اعتراضًا من كثير من الإسلاميين الذين ينظرون إلى الديمقراطية على أنها لا تقبل التجزئة ولا التفصيل.
فهل يعني ذلك أن نترك باب إصلاح الدولة تمامًا إلى ما شاء الله... أم أنه لابد من الإقدام دونما قيد أو شرط؟ أم أن المسألة فيها تفصيل؟ ورغم أنني عالجتُ هذا الأمر في عدة مواطن أخرى، منها: "الإسلام والديمقراطية: مواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف", إلا أني أذكر هاهنا مختصرًا لما ذكرتُه فيه حول مدى شرعية الإصلاح الجزئي للدولة من خلال الأنظمة الدستورية الحديثة.
مقدمة حول الديمقراطية:
النظام الديمقراطي نظام يوناني قديم أعرضتْ عنه أوروبا إلى مناهج حكم امتزجت فيها الثيوقراطية "المسماة بالدينية"، بالأوتوقراطية "الديكتاتورية"، وهذه الديكتاتورية من رجال الكنيسة مِن جهة، ومن رجال الحكم من جهة أخرى... ولَّدت انفجارًا في اتجاهين:
الأول: رفض الدين.
الثاني: رفض الديكتاتورية.
حتى ظن كثير من الباحثين -فضلاً عن العامة- التلازم التام بينهما.
وهنا عادت أوروبا إلى الديمقراطية اليونانية؛ لأنه تحقق لها الأمران معًا حيث نقلت السيادة المطلقة التي كانت الكنيسة تتنازعها مع الملوك إلى الشعب.
ثم تطورت النظرية لتشمل عددًا من الأسس، منها:
1- مبدأ السيادة التامة للشعب فهو مَن يملك حق التشريع والإباحة والمنع.
2- مبدأ الفصل بين السلطات.
3- مبدأ تداول السلطة.
كما شملتْ عددًا من الآليات، مثل: التمثيل النيابي، والانتخابات، والبرلمانات، وأسلوب الرقابة، وغيرها من الآليات... وبعض هذه الآليات نقلها الغرب عن كتب السياسة الشرعية الإسلامية، ولكن هل يدعونا هذا إلى ترديد عبارة: "الديمقراطية بضاعتنا رُدت إلينا"؟!
في الواقع: إن موضوع "بضاعتنا ردت إلينا" لا مجال له في "عالم الأفكار"، وإنما مجاله "الماديات"؛ فمن سُرق منه "شيء" ثم استرده يقول: "بضاعتنا ردت إلينا"، أما أن يستعير آخر منه فكرة ثم يلقحها بأفكار من عنده ليخرج شيئًا جديدًا ليس هو بضاعتك؛ فلمَ تقبله؟! "لا سيما أن بضاعتك الصافية النقية ما زالت عندك!".
وهل إذا استنسخ أحدٌ كتابًا من كتبك ثم زاد ونقص في نسخته التي نسخها، فهل يمكنك الاعتماد عليها رغم وجود نسختك الأصلية؟!
وعلى الرغم من أن النظام الديمقراطي لم يخلُ من مشكلات، منها: صعوبة تطبيق الديمقراطية المباشرة، وعدم دقة غير المباشرة، ومنها: ظهور ظاهرة المال السياسي، وغيرها من الصعوبات - فإنه مثَّل بالنسبة للغرب تطورًا هائلاً لنظم الحكم؛ مما جعلهم يجزمون بأنها رغم مشاكلها هي "أفضل البدائل المتاحة".
وبعد أن تمكنتْ النظم الديمقراطية "نظريًّا" في بلاد المسلمين اختلفت نظرة العلماء إليها، فانقسموا إلى قسمين رئيسيين:
1- قسم اعتبر الديمقراطية هي بعينها الشورى الإسلامية، وأنها بضاعتنا ردت إلينا! وعلى رأس هؤلاء: الدكتور "يوسف القرضاوي"، و"الغنوشى"، و"الترابي"، وعامة أصحاب هذه المدرسة.
2- قسم اعتبر الديمقراطية مناقضة للإسلام إذ جعلت السيادة للشعب، والسيادة في دين المسلمين لله -عز وجل-: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ) (يوسف:40) ، وقال -تعالى-: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) (الأعراف:54) ، وكما يقول الدكتور "محمد عمارة": "فالإسلام يقول: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) بينما الديمقراطية تقول: "ألا له الخلق فقط!"، وهذه عبارة جامعة مانعة تغنيك عن الكثير من الكلام.
إلا أن أصحاب المذهب الأخير قد انقسموا إلى مذهبين فرعيين: