شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناهج الإصلاح (6) إصلاح الدولة في ظل النظم الحديثة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الأول: مَن يصر على نقد الديمقراطية على اعتبار أنها لا معنى لها إلا منازعة سيادة الله على البشر ولزوم اتباع شرعه، ومِن ثَمَّ فهي عنده أشبه بالفكرة البسيطة التي لا تحتمل البسط ولا التفصيل، ثم إنه يتنزل أنها وإن كان فيها من حق فهو غير مفيد لنا على الإطلاق، وممن يذهب إلى ذلك الاتجاه الشيخ "محمد شاكر الشريف"، والشيخ "سعيد عبد العظيم".

الثاني: مَن يرى أن الديمقراطية فكرة مركبة من عدة أفكار جزئية يمكنك أن تفككها فتقبل منها وترفض، وبالطبع كل مَن يقبل الديمقراطية بإطلاق هو في الواقع من هذا النوع غير أنه يخالف الواقع حينما يُخرِج نظرية السيادة من تعريف الديمقراطية معتمدًا على تعريفات مختزلة للديمقراطية في بعض الإجراءات، ومِن ثَمَّ يبني على ذلك القبول المطلق بها.

نظرية السيادة بين الإسلام و الديمقراطية:

يقول الدكتور "محمد ضياء الريس" في كتاب "النظريات السياسية في الإسلام": "وهنا نستطيع أن نجيب عن السؤال الذي طال انتظاره لنا، والذي طلبنا الإجابة عنه في بداية البحث -وما كان يمكن الإجابة عنه قبل الآن-، وهو: وأين إذن مقر السيادة؟ أو مَن هو صاحب السيادة -بالمعنى الدستوري الحديث- في الدولة الإسلامية؟

فما دمنا قد أثبتنا أن الإسلام لا يتطابق مع أي من النظم السابقة التي عددناها فليس الحاكم إذن هو صاحب السيادة؛ لأن الإسلام ليس "أوتوقراطية"، ولا رجال الدين أو الآلهة؛ لأنه ليس "ثيوقراطية"، ولا القانون وحده؛ لأنه ليس "نوموقراطية"، ولا الأمة وحدها؛ لأنه ليس "ديمقراطية" بهذا المعنى الضيق.

وإنما الجواب الصحيح: أن "السيادة" فيه مزدوجة، فالسيد: أمران مجتمعان ينبغي أن يظلا متلازمين، ولا يتصور قيام الدولة وبقاؤها إلا بوجود هذا التلازم.

هذان الأمران، هما:

1- الأمة.

2- القانون أو شريعة الإسلام.

فالأمة والشريعة -معًا- هما صاحبا السيادة في الدولة الإسلامية.

فالدولة الإسلامية إذن -على هذه الصورة- نظام فريد، خاص بالإسلام؛ لا يصح القول بأنه يتطابق مع أي من النظم المعروفة؛ ولذا فإنه ينبغي أن يوضع لها اصطلاح خاص، وتُسمى باسم يمثِّل حقيقتها، وما دام مثل هذا الاسم لم يُوضع أو لم يُهتدَ إليه بعد، فيُكتفى -الآن- بأن يشار إليها بصفة مجملة على أنها النظام الإسلامي" اهـ .

هل مصطلح الديمقراطية قابل للتفكيك؟

يرفض البعض تفكيك مصطلح الديمقراطية أو غيره من المصطلحات من باب أن هذا فيه فتنة وتلبيس، وأنك متى رفضتَ من الديمقراطية جزءًا وقبلتَ الجزء الآخر فإن الذي سوف يروَّج إعلاميًّا هو القبول المطلق بها؛ مما يلزم منه الإقرار بالباطل.

وفي الواقع إن الأمر هاهنا يحتاج إلى مناقشة من جهتين:

الأولى: هل الديمقراطية بالفعل فكرة مركبة أم لا؟ وهل بعض جزئياتها موافق للشرع أم لا؟

الثانية: إذا كانت الديمقراطية فكرة مركبة، وبعض جزئياتها موافق والبعض مخالف، فهل المناسب هو تغليب المخالفة؛ لا سيما إذا كانت تبلغ درجة الكفر أم أن الأنسب هو التفصيل؟

فبالنسبة للسؤال الأول: فالصحيح أن الديمقراطية فكرة مركبة من أمور مخالفة للشرع وأخرى موافقة، بل منقولة من الشرع.

وأما السؤال الثاني: فالصحيح أن هذا الأمر راجع إلى المصالح والمفاسد، وهو قريب الشبه من قضية النقل عن أهل الكتاب الذي قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها: ( مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلا تُصَدِّقُوهُمْ، وَلا تُكَذِّبُوهُمْ ) (رواه أحمد وأبو داود وابن حبان، وصححه الألباني) ، بينما أنكر على عمر -رضي الله عنه- لما وجد بيده صحيفة من التوراة، فقال: ( أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ) (رواه أحمد والبيهقي، وحسنه الألباني) ، والأمر هاهنا يختلف باختلاف الأحوال.

كذلك وجدنا بعض الأئمة ينكرون بدع الصوفية شكلاً وموضوعًا في حين اضطر ابن تيمية -رحمه الله- إلى تفكيك كثير من مصطلحات الصوفية ليفصِّل في شأن ألفاظ غريبة عن منهج السلف: كالحال، والمقام، بل الحلول والاتحاد التي أوجد لها معاني موافقة للشرع، وقال: إن أريد بها ذلك قبلتْ؛ وإلا فهي من الكفر والضلال.

وهذا الذي فعله ابن تيمية -رحمه الله-؛ لأنه رأى أن أصحاب هذه الأقوال الكفرية يروجونها متسترين بالأقوال الأخرى، فكان لابد من هذا التفصيل ليزول الإشكال؛ لا سيما أن هذه الألفاظ شأنها شأن الديمقراطية "لسنا متعبدين بقبولها أو رفضها"، وإنما نحن متعبدون بقبول الحق ورفض الباطل.

تفكيك مصطلح الديمقراطية وعلاقته بمشروعية العمل السياسي:

في معرض بيان مشروعية العمل السياسي نقل الشيخ "عبد الرحمن عبد الخالق" فتاوى عن الشيخ "ابن باز" والشيخ "ابن عثيمين" -رحمهما الله- بجواز العمل السياسي بشرط إنكار المنكر، وعلَّق على هذا بأنهم أفتوا بهذه الفتاوى وهم يعرفون دساتير تلك الدول، وما فيها من ذكر الديمقراطية.

وإذا كان الأمر كذلك فيجب على المشارك لكي يحقق شرطها الذي ذكره أهل العلم أن يعرف المصطلحات السياسية المعاصرة، وما تتضمنه من حق أو باطل.

موقف "الدعوة السلفية" من العمل السياسي قبْل وبعد الثورة

كانت "الدعوة السلفية" تتبنى أن العمل السياسي في ظل الأنظمة الديمقراطية الحديثة على ضربين:

الأول: ما لا يتحقق فيه الشرط الذي ذكره عامة العلماء، وهو البراءة من الباطل الذي تتضمنه كلمة الديمقراطية أو غيرها من الأفكار اللصيقة بها؛ لا سيما الأفكار الليبرالية.

الثاني: ما يتحقق فيه ذلك.

وفي الحالة الأولى: كانت الدعوة تجزم بعدم الجواز.

وأما في الثانية: فكانت الدعوة تعلقها على المصلحة والمفسدة؛ هذا من حيث الحكم، وأما الفتوى في الواقع المصري فكانت الامتناع؛ لكون عامة المشاركين آنذاك يقدمون تنازلاتٍ، مثل: القبول بالديمقراطية بدون تفصيل، بل والقبول بمعظم معطيات الليبرالية! كما أن المصالح المترتبة على المشاركة تكاد تكون منعدمة في ظل نظام حكم متكلس غير قابل للإصلاح.

الصفحة السابقة الصفحة التالية