الليبرالي والبطريق!
عصام حسنين • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن الأسرة هي قاعدة الحياة البشرية، ونواة المجتمع، وعنوان صلاحه أو فساده، ومِن ثَمَّ رفعته أو ضعته؛ ولذلك شرع الله -تعالى- من الشرائع الحكيمة ما يحفظها، ويحفظ أفرادها؛ سنة الاستخلاف حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وأول هذه التشريعات: الزواج الذي نظمه بأكمل وأضبط تنظيم مِن: إيجاب وقبول، وشرط ولي، وشاهدي عدل، ورضا زوجين مكلفين، وتعيينهما، وعدم وجود موانع شرعية تمنع اقترانهما، وإشهاره واجب؛ ليتميز عن نكاح السر، ومهر واجب للمرأة؛ تكريمًا لها، وإظهارًا لرغبة الرجل فيها.
وجعل الهدف من الزواج: إقامة حياة آمنة مستقرة، حاديها: المودة والرحمة، ودستورها: حق يقابله واجب، وإشباع الغرائز وتهذيبها من جنسية، وعاطفية، واجتماعية، وأمومة وأبوة، وطلب للولد وتحمل مسئولية تربيته والسعي عليه، قال الله -تعالى-: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (الروم:21) ، وقال: ( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ) (البقرة:187) ، وقال: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (البقرة:228) ، وقال: ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ ) (البقرة:223) ، "أي: في موضع الحرث طالبين الولد"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) (متفق عليه) .
ومن جمال التشريع في الزواج: أنه صان الأعراض أن تدنس بعار الزنا وتبعاته الثقيلة، وصان نطفة الرجل أن توضع في حرام، وأن توضع بلا مسئولية عنها، بل بمسئولية وضبط عجيب في زواج صحيح بمودة ورحمة، واشتياق للولد، وفرح به حملاً، ورضيعًا، وطفلاً يمر بأطوار الطفولة المختلفة، وفي كل طور يقوم كلٌ من الوالدين بواجبه ومسئوليته التي كلفه الله بها، والتي سيسأل عنها أمام الله -تعالى-، كما قال -سبحانه وتعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) (النساء:58) ، "وهي تشمل أمانة الدين وأمانة الخَلق بعضهم لبعض", وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) (متفق عليه) .
فكل إنسان له رعية وسيسأل عنها أمام الله -تعالى-، ومَن لم يتزوج فمسئوليته جوارحه؛ فأعدوا للسؤال جوابًا، فنحن لم نُخلق عبثًا، ولن نترك هملاً، وإنما خلقنا بالحق وللحق، ( أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) (القيامة:36) ، "أي: لا يؤمر ولا يُنهى!"، بل حتى البهائم العجماوات والحشرات تقوم بمسئوليتها بطريقة تبعث على العجب، تنطق بقول الله -تعالى-: ( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) (طه:50) ، ومن هذه العجماوات مَن جعله الله -تعالى- آية للبشر في تحمل مسئولية التكاثر والرعاية للصغير، ومثاله: "البطريق الإمبراطور!".
يقول الأستاذ "هارون يحيى": "هناك حيوان يظهِر عزمًا غريبًا في الحفاظ على بيضه، وصبرًا لا مثيل له، وتفانيًا مثيرًا للدهشة, وهذا الحيوان هو "البطريق الإمبراطور"، فهذا الحيوان يعيش في القطب الجنوبي الذي يتميز بظروف بيئية قاسية جدًّا، تبدأ أعداد كبيرة من هذا الحيوان تقدر بـ 25000 بطريق رحلتها للتزاوج, ويقدر طريق الرحلة بعدة كيلومترات لاختيار المكان المناسب للتزاوج, وتبدأ هذه الرّحلة في شهر مارس وأبريل (بداية موسم الشتاء في القطب الجنوبي), ومن ثَمَّ تضع الأنثى بيضة واحدة في شهر مارس أو حزيران، والزوج من البطريق لا يبني عشًا لبيضته، بل لا يستطيع ذلك لعدم وجود ما يبني به في بيئة مغطاة بالجليد، بيد أنه لا يترك بيضته تحت رحمة برودة الجليد؛ لأن هذا البيض معرض للتجمد بمجرد تعرضه لبرودة الجليد القاسية, لذا يحمل بطريق الإمبراطور بيضه على قدميه ويقترب الذكر من الأنثى بعد وضعها للبيضة الوحيدة بعدة ساعات لاصقًا صدره بصدرها ويرفع البيضة بقدميه، ويحرص كلاهما أشد الحرص على ألا تمس البيضة الجليد, ويقوم الذكر بتمرير أصابع قدميه تحت البيضة، ومن ثَمَّ يرفع الأصابع ليدحرج البيضة باتجاهه، وهذه العملية تتم بكل هدوء وإتقان لتجنب كسر البيضة، وأخيرًا يقوم بحشر البيضة تحت ريشه السفلي لتوفير الدفء اللازم.
وعملية وضع البيضة تستهلك معظم الطاقة الموجودة في جسم الأنثى؛ لذا فإنها تذهب إلى البحر لتجمع غذاءها وتسترجع طاقتها، في حين يبقى الذكر لحضن البيض, وتتميز فترة حضن البيض لدى البطريق الإمبراطور بالصعوبة مقارنة بباقي أنواع الطيور، إضافة إلى حاجتها الشديدة للصبر من جانب الذكر, فهو يقف دون حراك مدة طويلة، وإذا لزمت الحركة فإنّه لا يفعل ذلك إلا لأمتار قليلة براحة القدمين، وعند الخلود إلى الراحة يستند الطير على ذنبه كما لو أنه قدم ثالث ويرفع أصابع قدميه بصورة قائمة كي لا تلمس البيضة الجليد، ومن الجدير بالذكر أن درجة الحرارة في الأقدام المغطاة بالريش السفلي أكثر بـ 80 درجة عن المحيط الخارجي؛ لذلك لا تتأثر البيضة بظروف البيئة الخارجية القاسية.