شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الليبرالي والبطريق!

عصام حسنين • قضايا معاصرة

وتزداد ظروف البيئة قسوة كلما تقدم فصل الشتاء بأيامه وأسابيعه حتى إن الرياح والعواصف تبلغ سرعتها 120-160كم في الساعة, وبالرغم من ذلك يبقى الذكر ولمدة أشهر دون غذاء ودون حراك إلا للضرورة، ضاربًا مثلاً مثيرًا للدّهشة في التضحية من أجل العائلة, وتبدي العائلة تضامنًا كبيرًا لمقاومة البرودة القاسية إذ أن حيوانات البطريق تتراص واضعة مناقيرها على صدورها وبذلك يصبح ظهرها مستويًا، ومشكّلة دائرة فيما بينها وسدًّا منيعًا من الريش في مواجهة البرد القارص، وتحدث هذه العملية بإخلاص وتنظيم دقيق دون أن تحدث أية مشكلة بين الآلاف من هذه الطيور المتراصة, وتظل هكذا لمدة أشهر عديدة بصورة من التعاون المدهش والمثير للحيرة والإعجاب، فحتى الإنسان تصيبه مشاعر الملل والأنانية في هذه الظروف القاسية رغم كونه مخلوقًا عاقلاً يسير وفق مقاييس أخلاقية وعقلية، ولكن البطريق يبقى متعاونًا متكاتفًا ويعمل الفرد من أجل المجموعة بأكمل صورة ممكنة، والتضحية التي يبديها هذا الحيوان للحفاظ على البيض تحت هذه الظروف القاسية تعتبر منافية لمفاهيم نظرية التطور التي تدَّعي أن البقاء للأصلح والأقوى، ونكتشف أن الطبيعة ليست مسرحًا للصراع، بل معرضًا للتفاني والتضحية التي يبديها القوي للحفاظ على حياة الضعيف.

وبعد ستين يومًا من الظّروف القاسية يبدأ البيض في الفقس، ويستمر الذكر في تفانيه من أجل الصغير علمًا أن هذا الذكر لم يتغذ أبدًا طيلة فترة الرقود على البيض، ومن المعلوم أن البطريق الخارج لتوه من البيض حيوان ضعيف وصغير يحتاج إلى تغذية وعناية مستمرة، فيفرز الذكر من بلعومه مادة سائلة شبيهة بالحليب يتم إعطاؤها للفرخ الصغير ليتغذى عليها، وفي هذه الفترة الحرجة تبدأ الإناث في العودة وتبدأ بإصدار أصوات مميزة فيرد عليها الذكور بصوت مقابل، وهذه الأصوات هي نفسها التي استخدمت في موسم التزاوج وبواسطتها يعرف الذكر والأنثى بعضهما البعض، وقد وهب الله -سبحانه وتعالى- هذه الحيوانات قدرة التمييز بين الأصوات وهو اللطيف الخبير.

وتكون الأنثى قد تغذت جيدًا طيلة فترة الغياب، ويكون لديها مخزون جيد للغذاء, وتضع هذا المخزون أمام الفرخ الصغير، وهو أول طعام حقيقي يتناوله بعد خروجه من البيض، وقد يتبادر إلى الذهن أن عودة الأنثى تعني خلود الذكر للراحة، ولكن هذا لا يحدث أبدًا, فالذكر يظل على اهتمامه ورعايته لمدة عشرة أيام أخرى، ويقوم خلالها بمسك الفرخ الصغير بين قدميه, ثم يبدأ رحلة بعد ذلك إلى البحر ليتغذى بعد حوالي أربعة أشهر من الصيام عن الحركة والغذاء، ويظل الذكر غائبًا من ثلاثة إلى أربعة أسابيع يعود بعدها إلى الاهتمام بالفرخ كي ترجع الأنثى بدورها إلى البحر لتصيب من الغذاء ما تيسر لها.

تكون هذه الفراخ الصغيرة في المراحل الأولى من حياتها غير قادرة على تنظيم حرارة أجسامها؛ لذا تكون معرضة للموت في حالة تركها وحيدة تحت ظروف البرد القاسية، لذلك يتناوب الذكر والأنثى في عملية الحفاظ على حياة الصغير، وتوفير والغذاء له" (التضحية عند الحيوان) .

سبحان الله!

مَن ألهم هذا الطائر أن يحفظ البيضة بهذه الطريقة؟!

ومَن الذي أعطاه هذا الصبر والجلد حتى يتحمل هذه الأربعة أشهر دون طعام أو حراك؟!

وسبحان الله الذي ألهمه هذا التحمل للمسئولية، وهذه العناية العجيبة بفرخه؛ لا شك أنه إبداع الله البديع -سبحانه جلَّ شأنه!-.

إنها آية من آياته -تعالى- يريها من شاء من عباده حتى يعلموا أنه الحق، وليتعلموا من هذا الحيوان الأعجم تحمل المسئولية، والصبر والجلد في القيام بها، وتعاون الزوجين في تربية الأبناء والسعي عليهم؛ هذه سنة الله في خلقه: التزاوج، والتعاون، والتكامل، في القيام بالمسئولية حتى يرث الله الأرض ومن عليها!

ومن عجب أنك تري من البشر من يريد أن يصادم هذه السنن، وأن يغير منها، وهيهات... فمثلهم كمثل الوعل الأحمق الذي وصفه الأعشى بقوله:

كـناطـح صـخـرة يومًا ليوهنها فلم يضرها وأوهن قرنه الوعل

إنها "الليبرالية الإباحية" التي تريد للإنسان أن يعيش متحررًا من الدين، ومن الأعراف، ومن القِيَم والمُثل، وأن يفعل ما يريد سواء بنفسه أو بغيره إذا كانا متوافقين! فيلقي الرجل نطفته في أي رحم دون تحمل مسئوليتها (الزنا)، وقد تبوء المرأة به فتجعله في ملجأ أو في الشارع أو في غيره، وقد تقتله إجهاضًا، وهكذا حياة بلا زواج، بلا أسرة، بلا هدف! إنما قضاء الشهوات وتحصيل الملذات!

باختصار: إنه الهوى وعبادته من دون الله، يأتمر بأمر هواه وينتهي بنهيه!

وكان من ناتج ذلك: "انتشار أولاد الزنا الذين تستعر بهم المجتمعات الغربية - اضمحلال الأسرة - غياب معاني الرحمة والشفقة - عزوف عن الزواج - الشذوذ - الأمراض الجنسية الخطيرة- ... ".

وإذا كان المعبود الهوى؛ فإنهم ينتقلون من انحراف إلى انحراف أشد، وهذا الانحراف الأشد هو "الجندر!"؛ ليقضوا على بقايا مفهوم الأسرة الصحيح عندهم، هذا المصطلح المراد منه إلغاء كافة الفوارق بين الرجل والمرأة!

تقول "فاير ستون" -إحدى الداعيات للجندر-: "إن التقدم التكنولوجي الذي أسهم بإمكانية الجمع بين بويضة المرأة والحيوان المنوي للرجل، والحمل بالجنين خارج الرحم، سيسهم في أن يكون دور المرأة (العملية الإنجابية) ليس أكبر من دور الرجل، خاصة وأن الترتيبات القانونية مثل: (الأمومة بالعقد) جعلت من الممكن للمرأة التي أنجبت تكون غير المرأة التي حملت، والتي حملت غير المرأة التي ربت! وأن النساء حاليًا يمكن لهن إيداع بويضاتهن في بنوك خاصة، كما سيتبرع الرجال بالحيوانات المنوية، ومن ثَمَّ سيتخلص كل من الجنسين من أدوارهما المختلفة في عملية (الإنجاب)، وهذا سيؤدي إلى تقليص كل الأدوار الجنسية... وستتحرر النساء من (عملية الإنجاب) التي ستربطهن بالمنزل، والبقاء بعيدًا عن سوق العمل!".

الصفحة السابقة الصفحة التالية