مناهج الإصلاح (7) عرض مجمل لمنهج الإصلاح ومناهج الإصلاح الأخرى
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد انتهينا من عرض منهج الإصلاح الذي ندين لله به، وهو قائم على الأسس الآتية:
1- سعادة البشرية في الدنيا والنجاة في الآخرة، لا تحصل إلا بموافقة الشرع، ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) (طه:124) .
2- الإسلام دين شامل كامل، أتى بما يصلح "الفرد - والمجتمع - والدولة": ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:162) .
3- الإسلام قد أتى بإصلاح المجتمع والدولة في الإطار العام الذي يضبط هذه الأمور، في حين سكت عن كثير من التفاصيل، ومِن ثَمَّ أحال فيها الناس على التجربة البشرية.
4- وعلى هذا فإن الموضوع الرئيسي في الشريعة، هو: "الصلاح الإنساني" مع تهيئة المناخ للصلاح المادي، والذي يُقال فيه: ( فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (الملك:15) .
5- الإسلام قد اعتنى بالفرد "قلبه - وعقله - وروحه - وجسده"، وهذه التشريعات موزعة على ما استقر عليه اصطلاح علوم الشريعة: "العقيدة - والعبادة - والأخلاق - والمعاملة".
6- صلاح الفرد يشمل أن يكون صالحًا في نفسه، وأن يكون فعالاً في إصلاح المجتمع، ( وَالْعَصْرِ . إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) (العصر) .
7- ومن أهم ما يدخل في هذا "تكوين الوازع الذاتي"، الذي هو في النظام الإسلامي وازع إيماني.
8- صلاح المجتمع يكون بالحض على الأخوة الإيمانية، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحقيق التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع، والقيام في ظل ذلك بجميع فروض الكفايات، والتي تضم -بالإضافة إلى ما سبق-: "التعلم - والتعليم - والإفتاء"، كما تضم الحِرَف الدنيوية التي يَحتاج إليها المجتمع.
9- الإسلام يعني بالأسرة على اعتبار أنها اللبنة الأساسية للمجتمع.
10- أنه يعني بدور المسجد على اعتبار أنه المحضن التربوى الرئيسي.
11- صلاح الدولة بأن تكون مرجعيتها العليا هي الشريعة الإسلامية، وأن تكون الشورى هي الآلية الأساسية فيما لا نص فيه.
12- دور الدولة هي حراسة القيم، وإدارة الموارد، ملتزمة في ذلك بتحقيق "العدالة - والحرية - والمساواة" وفق الضوابط الشرعية التي لا يجور فيها أحد هذه المعاني على الآخر.
13- خلصنا من ذلك كله أنه انطلاقًا من المسجد كمحضن تربوي رئيسي يتم تربية الأفراد على الإيمان بمعانيه الشاملة من: "العقيدة - والعبادة - والأخلاق - والمعاملات".
14- مع تبصيرهم بمسئوليتهم تجاه أسرهم: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) (متفق عليه) .
15- كما يتم عبر آليات العمل الجماعي والتعاون على البر والتقوى، تعاون الأفراد في القيام بفروض الكفايات من التعلم والتعليم، والإفتاء، والقيام على حقوق الفقراء والمساكين.
16- كما يجب التصدي لنصيحة الأنظمة السياسية بتطبيق النموذج الإسلامي وإنكار مخالفاتها، وهذا القدر من إصلاح الدولة دون المشاركة في مؤسساتها هو نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يضبط إلا بضوابطه العامة.
17- وأما المشاركة السياسية في ظل الأنظمة الدستورية الحديثة؛ فتشرع المشاركة فيها متى غلب على الظن رجحان المصلحة، ومتى أمكن أن يتضمن الدستور إلزام مؤسسات الدولة بمرجعية الشريعة، وغرض هذه المشاركة هي التأثير في صناعة سياسات وقوانين وقرارات الدولة بمقدار ما يحدث في المجتمع من رصيد إصلاحي.
18- المشاركة السياسية بهذا الاعتبار تختلف بدرجة كبيرة عمن يعتبرها هي أساس منهجه في التغيير.
19- ومما سبق فإن مجالات الإصلاح الثلاثة: "الفرد - المجتمع - الدولة" يتأثر كلٌ منها بما قبله، وفى الوقت ذاته يجب أن نسير فيها بخطى متوازية بحيث يوجَّه الأفراد إلى تنظيم جهودهم الجماعية لإصلاح المجتمع، ويوجِّه طائفة منهم جهودهم في المشاركة السياسية حال توافر شروط مشروعيتها لترجمة رصيدهم أصلاً.
20- وفي هذا الإطار العام يُقبل من الوسائل ما كان مشروعًا: "كالخطب والمواعظ" أو كان مباحًا في الأصل: "كاستعمال وسائل الاتصال الحديثة في نقل هذه المواد"، وأما ما كان أصله الإباحة وخُشيت عواقبه: "كالمظاهرات"؛ فلابد فيه من الموازنة الدقيقة بين المصالح والمفاسد.
وبعد هذا الإجمال لما سبق بيانه من معالم منهج الإصلاح، نتعرض لأهم المناهج الأخرى التي تتبناها بعض الحركات الإسلامية العاملة على الساحة، والتي يمكن إجمالها فيما يأتي:
أولاً- أصحاب الاتجاه الفردي:
وهم مَن يقتصرون في منهجهم الإصلاحي على إصلاح الفرد، وهم أنواع، فمنهم:
1- مَن يرى أن الإسلام مجرد علاقة بين العبد وربه: وقد سبق مناقشة هذه الفكرة، وإنما أعدنا ذكرها هنا من باب أن بعض المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية يتلبس بهذه الفكرة العالمانية الأصل، ويبني منهجه عليها!
2- مَن يفهم شمول الإسلام، ولكنه يرى تسليم شئون الشأن العام للحكام "مهما بلغ فسادهم!"، وهم بهذا يعطون للحكام حقًّا لم تعطه الأمة لأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-.
3- مَن يكتفي بالتربية الفردية ظنًا منه أن العمل الجماعي غير مشروع أو ربما يقيده البعض بإذن الدولة.
4- وأمثلهم طريقة مَن يرى أنه يقوم بدوره في منظومة الإصلاح دون أن ينفي حاجة الأمة إلى باقي المجالات.
ومن المشكلات التي تواجه كثيرًا من أصحاب هذا الاتجاه: الاقتصار على بعض جوانب إصلاح الفرد دون الباقي، كالاقتصار على الجانب العلمي أو التربوي وحتى في الجانب العلمي قد يتم الاقتصار على بعض العلوم أو التخصص المبكر في بعضها دون الدراسة المناسبة لطالب العلم في العلوم الأخرى.
ثانيًا- أصحاب أن الإصلاح يبدأ من الدولة:
يرى البعض أن الأساس في الإصلاح هو الوصول إلى الدولة، ويستمد هؤلاء رؤيتهم من:
أ?- النصوص التي تبين أهمية الإمامة، وغني عن الذكر أن أهميتها لا تعني أنها أهم من غيرها أو أنها يمكن أن تقوم بغير مقدماتها الشرعية والكونية.