مناهج الإصلاح (7) عرض مجمل لمنهج الإصلاح ومناهج الإصلاح الأخرى
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
ب?- تجارب تاريخية، ومنها: الفتوح الإسلامية التي دخلت فيها بلاد إلى حكم الإسلام على يد مجموعة من المجاهدين وعلاها حكم الإسلام، مع أن غالب أهلها لم يكونوا كذلك، وهذه استعارة من تجارب تاريخية كانت فيها بعض شعوب العالم تُحكم بواسطة غيرها، وهذه الصورة تلاشت تماما من الواقع وصارت الشعوب تحكم من داخلها، ولا يمكن أن يَفرض الحاكم شيئًا يرفضه معظم الشعب، بالإضافة إلى أن الصورة المشار إليها هي في ذاتها صورة مؤقتة سرعان ما كانت تنتهي بدخول معظم الناس في الإسلام أو خروج المسلمين من هذه البلاد.
ت?- تجارب سياسية لأمم أخرى قد يكون الإصلاح عندهم لا يعني إلا إصلاح نظام الدولة في حين أنهم يريدون منها أن تقهر الفرد على نمط معين وأن تطلق له العنان؛ مما يعني عند كل من الفريقين عدم وجود حاجة إلى مناهج تربوية، وإنما تعبئة جماهيرية نحو الهدف المنشود.
وهؤلاء يمكن تصنيفهم إلى:
1- أصحاب الحل البرلماني: ونعني به هنا مَن يرون أن الأصل في منهجهم هو الوصول إلى الحكم عن طريق الانتخابات البرلمانية، ويختلف هؤلاء عما تقدَّم طرحه من مشروعية المشاركة السياسية لإصلاح الدولة في أمور، أهمها:
- اختلاف تكامل المشروع الإصلاحي عندهم.
- الخطاب الفردي لديهم تعبوي أكثر منه تربوي.
- غالبًا ما يهمل هؤلاء ضوابط المشاركة السياسية، فيغلِّبون المشاركة حتى في حال عدم توافر هذه الضوابط.
- غالبًا ما يصاب هؤلاء بحالة من انعدام الوزن عند فشل تجاربهم السياسية فيتجهون إلى المشاريع الثورية أو العسكرية.
2- أصحاب المواجهة المسلحة: ويقوم فكر هؤلاء على فكرة الصراع المسلح مع السلطات الحاكمة، ويرون هذا جهادًا!
وبعضهم يجعله من باب: "قتال الطائفة الممتنعة"، أي: يواجِه المواجهة المسلحة دون تكفير لأجهزة الدولة.
والبعض الآخر يعتبر هذا القتال قتالاً للمرتدين، فيكفِّر الحكام والجيش والشرطة، مع أن هذا الغلو في التكفير لا يسعفه في تقرير جواز مثل هذا القتال؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يبدأ المشركين المتفق على كفرهم بالقتال، وإنما بالدعوة والبيان، ولأن العمليات التي يمكن أن تقوم بها هذه التنظيمات غالبًا ما تكون بوضع ما يعم ضرره في طرقات المسلمين، فإن بعضها يتبنى تكفير عموم المجتمع أو يتبنى تأويلات شاذة للاستهانة بالدماء، ومِن ثَمَّ فهذا التوجه من أكثر التوجهات بُعدًا عن الشريعة، وعن تحقيق الهدف المأمول في الوقت ذاته.
وينبغي في هذا الصدد أن نفرِّق بيْن هذه الحالة التي وصفنا وبين وجود حركات جهادية تقاتل الغازي أو المحتل في بقاع من الأرض، ووفق حسابات شرعية تجعل مصلحة هذا القتال تفوق مفسدته، حتى ولو كان بعض القائمين بهذه الصورة الشرعية قد يساهمون في الصورة غير الشرعية؛ فلا تزر وزارة وزر أخرى.
3- أصحاب الحل الثوري: قدمنا أننا ننادى بالإصلاح ونعني به المعنى الشرعي الشامل لإصلاح الفرد والمجتمع والدولة، ولكن في العلوم السياسية يقسمون التيارات التي تنادي بالتغيير إلى تيارات إصلاحية تؤمن بالتغيير التراكمي المتدرج، وتيارات ثورية تؤمن بالتغيير الجذري الفوري، ونحن بهذا المصطلح ننتمي إلى الفكر الموصوف بالإصلاح أيضًا.
وينبغي هنا أن ندرك أن الثورات هي حالات فوران مؤقتة تسقط نظام الحكم، ومِن ثَمَّ فإنه لا التيارات الإصلاحية، ولا التيارات الثورية تصنع الثورة، وإنما تنشأ الثورة حينما تنسد كل طرق الإصلاح، ويصل المجتمع ككل إلى حالة الغليان، ومِن ثَمَّ فقد تنفجر الثورة كرد فعل لحادث تكررت حوادث من جنسه أو ربما أفدح منه.
وإذا كانت الثورة كحدث لا يستطيع أحد تحديد لحظة انفجارها، فيبقى الفرق بين التيارات الإصلاحية والتيارات الثورية في آليات العمل؛ فالتيارات الإصلاحية تسعى لتحقيق القدر الممكن من الإصلاح "ولا تعتبره هو سقف آمالها"، وإنما تنطلق لتحقيق مزيدٍ من الإصلاح، بينما تسعى التيارات الثورية إلى تأزيم المواقف أملاً في الوصول إلى حالة الثورة!
ومن هذا العرض يتبين أن: القضية ليست في تبني آليات إنكار واضحة كالمظاهرات أو الاعتصامات والإضرابات، ولكن في الهدف من وراء هذه الفاعليات وغيرها.
وعلى الرغم من وجود تيارات تؤمن بالحل العسكري في أوساط الصحوة الإسلامية ظنًا منهم أن هذا نوع من الجهاد، فإنه لم يكن يوجد من يدعي حالة الثورية حتى قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير، وعلى الرغم من أن ثورة الخامس والعشرين من يناير بدأت بفعل إصلاحي -مظاهرات محدودة تطالب بمطلب محدد وهو عدم التوريث-، والأهم من ذلك أنها كانت نتاج عمل إصلاحي تراكمي؛ إلا أن انقلابها إلى ثورة ثم نجاحها أغرى بعض الكيانات الإسلامية وبعض الشباب الإسلامي أن يصف نفسه بالثورية! مع أنه لا يلزم من المشاركة في ثورة متى اندلعت استمرار ذلك؛ لا سيما إذا اندلعت كنتاج لتراكم إصلاحي لا يوجب على مَن شارك فيها أن يبقى ثائرًا أو يرفع شعار: (كل مطالبي وإلا فالثورة مستمرة!)، وقد عانى فريق من الإسلاميين حينما وصل إلى السلطة من استمرار (حالة التثوير) المستمرة.
ناهيك عما تستلزمه الحالة الثورية من بعض التأويلات في الأحكام والدماء التي تتشابه إلى حد ما مع تأويلات تيارات المواجهة المسلحة، بل ربما تتطابق معها حينما يقف الجيش مع النظام السياسي الحاكم أو عندما تكون المواجهة معه أصلاً، فلا مجال للكلام هنا عن ثورة سلمية، بل لابد من تحولها إلى مواجهة مسلحة بناءً على ما تم رصده عبر التاريخ من أنه لا تنتصر ثورة سلمية إلا بتأييد الجيش أو حياده على الأقل.
وثمة ملاحظة أخرى، وهي: أن الحراك الثوري يستند إلى تراكم إصلاحي ولابد، غير أنه قد يسرع من وتيرته أحيانًا (كما في حالة 25 يناير في مصر)، وإن كان البعض يتشكك تاريخيًّا في هل يتحقق إسراع حقيقي بعملية التغيير أم أن الاضطراب الذي يصاحب الثورات من الممكن أن يلغى أثر ذلك الإسراع.