مناهج الإصلاح (7) عرض مجمل لمنهج الإصلاح ومناهج الإصلاح الأخرى
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وأيًّا ما يكن، فلا يُتصور منهج دعوي يتبنى استمرار الحالة الثورية، فإن قُبِل هذا من التيارات التي ترى أن الأصل في المجتمع هو صراع الطبقات، وليس لديها مشروع تربوي فردي؛ فلا يمكن قبوله من دعوة تريد أن تربي الأفراد، وتخاطب فيهم القلب والعقل، وتدعو إلى مجتمع الحب والتكافل والتراحم.
ثالثًا- الجماعات التي تتبنى تغيير المنكر باليد:
وهي تيارات تتبنى المنهج الدعوي الإصلاحي، ولكن مع القول بجواز أو لزوم تغيير المنكر باليد بدون ضوابط شرعية، استدلالاً بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ) (رواه مسلم) .
مع أن الاستطاعة المقصودة في الحديث ليست مجرد أن تقدر على الفعل، بل تشمل أيضًا عدم غلبة الظن بترتب مفسدة أكبر على هذا الفعل، ويشهد لهذا امتناع النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قتل مَن ظهر نفاقه؛ معللاً ذلك بقوله: ( لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ) (متفق عليه) ، وامتناعه من إعادة بناء الكعبة (على قواعد إبراهيم) خشية الفتنة.
ومن هنا علمنا: أن القدرة ليست مجرد القدرة على الفعل، ولكن أن تفعل دون أن يترتب على ذلك مفسدة، فبعض الاتجاهات الإسلامية كانت تتبنى فكرة أنه ما دام يقدر أن يغير المنكر فلا يهمه ماذا سوف ينتج بعدها, فمثلاً يكسر محال الخمور، ويمنع الراقصات -وغيرهن- في الأفراح، فيتمكن مِن منع الفعل, ولكن الفاعل الذي كان يفعل المنكر ومُنع يذهب يستعين بالدولة, فيضع هؤلاء في مواجهة الدولة، فتقع المواجهة حتمًا.
فلا يمكن لأحد أن يتبنى تغيير منكر باليد ثم يزعم أنه ليس في منهجه المواجهة, لأن هذه متلازمة معروفة؛ تغيير منكر باليد يحتاج إلى قدرة، والقدرة في المجتمع العام هي الدولة, لكن يمكن تغيير المنكر باليد في المجتمعات الخاصة: كالأسرة، والقبيلة.
وعندما تتعقب الدولة من قام بهذا تبدأ فكرة ما يُسمى بـ"قوة الردع"، وتتخلى الدعوة تمامًا عن طورها الإصلاحي، وتتحول إلى طور المواجهة المسلحة على خلاف ما تنظر به لنفسها.
ومن الجدير بالذكر: أن مواجهة الدعوات لتهديد شعبي، ومواجهة هذا بتكوين "قوات ردع" أشد خطرًا على الدعوة من فكرة قوات الردع لدى جماعات تغيير المنكر باليد؛ لأنها تضع الدعوات في مواجهة المجتمع بأسره مما يعوق الدعوة، ويخلق أجواءً عدائية تجاهها.
ومن الجدير بالذكر أن نوضح أن: "الجماعة الإسلامية" بمصر، والتي كانت تتبنى تغيير المنكر باليد كانت قد أعلنت مراجعات فكرية حول هذا الموضوع، كما أن تنظيم الجهاد في مصر قام بعضه بمراجعات، وأعلن البعض الآخر إيقاف عملياته بمصر، ولكن أحداث (30 يونيو) وما بعدها ساهمت في ظهور أفكار مشابهة تحت مسميات مختلفة، والعبرة ليست في المسمى.
وبعد، فهذه نظرة إجمالية مختصرة لما نراه من منهج إصلاحي، مع عرض موجز للمناهج الأخرى التي نرجو أن نتمكن من مناقشة تفصيلية لها لاحقًا -إن شاء الله-.