شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل في استمرار "حزب النور" في المشهد السياسي الحالي موالاة للعلمانيين؟!

الشيخ ياسر برهامي • الولاء والبراء

السؤال:

1- ما هي الموالاة التي يُذم بها المسلم، ويقال عنه حينئذٍ أنه والى العلمانيين على حساب دينه وإخوانه في الإسلام؟ لأن الاتهامات كثيرة جدًّا حول استمرار تواجد "حزب النور" في المشهد السياسي والمشاركة في "لجنة الخمسين" إلى الآن، رغم كل ما يقع من هذه اللجنة والقائمين عليها، وأن هذا الاستمرار في التواجد في المشهد هو من موالاة العلمانيين وأعداء الدين الذين لا يريدون شريعة الله في أي مكان.

2- هل هناك موالاة محرمة للعلمانيين وأعداء الدين، وأخرى جائزة؛ بمعنى أنها تكون مباحة إذا كان العلمانيون أولي قوة وبأس شديد؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

1- فالموالاة هي المحبة والرضا بملة القوم وطريقتهم، ومناصرتهم على الكفر والفسوق والعصيان، والطاعة والمتابعة والتشبه، وليس "التواجد في المشهد" -كما تقول- من الموالاة؛ فإن الله لم يحرِّم: القعود، والكلام، والحوار، والجدال مع الكفار، فضلاً عن المنافقين، فضلاً عن عصاة المسلمين "ولو كانوا أصحاب كبائر"، وليس الناس صنفًا واحدًا، وقد قال الله -تعالى-: ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ) (النساء:140) .

فحرَّم -سبحانه- الجلوس مع الكفار حال كفرهم واستهزائهم بآيات الله دون إنكار عليهم، فأما مَن جلس معهم يمنعهم من الاستهزاء بآيات الله ويأمرهم بتحكيمها والإيمان بها واتباعها؛ فهذا محمود غير مذموم.

وإذا كان كلام طائفة من الناس سيكون ملزمًا للأمة والدولة كلها -ولو قالوا في كلامهم كفرًا ونفاقًا أو فسوقًا وعصيانًا!-؛ فجلس معهم مَن يجادلهم بالتي هي أحسن، كما أمر الله -تعالى-، وليس نَهَى -كما يزعم مَن سب الدعوة والحزب؛ لأجل التواجد في المشهد؛ رغم أنهم لم يذموا مَن تواجد في اللجنة الأولى مع نفس النوعيات!-.

فنقول: مَن جلس معهم يجادلهم؛ ليقلل الشر والفساد، ويمنع الكفر، ولو لم يتمكن مِن منع كل مخالفة للشريعة، ولكن قلل الشر، وبدلاً من أن يتضمن الدستور كفرًا بواحًا يصبح متضمنًا لكلام محتمل للتأويل هم أنفسهم يصرِّحون في المضابط أنهم لا يقصدون ما يحتمله من الكفر، بل يستنكرونه - فهذا الفعل من صاحبه: أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ودعوة إلى الله -تعالى-، وليس موالاة أصلاً.

2- لا توجد موالاة مباحة لأعداء الدين؛ لكن الإكراه والتقاة (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جاء في فضل الغني الحميد:

صور ليست من الموالاة

"8- إظهار الموافقة للكفار عند الإكراه والتقية:

لما كان المسلم قد يتعرض إلى ضرورة تكرهه على إظهار موالاة الكفار أو المنافقين، أو أن يدفع عن نفسه شرهم وأذاهم باستعمال التقية؛ لزم أن يكون على بينة من أمره فيما يجوز وما لا يجوز من ذلك، وحدود الإكراه المعتبر شرعًا، ومعنى التقية، وشروط اعتبار العمل بها -وهذا فصل مختصر في أهم مسائل هذا الموضوع-:

قال -تعالى-: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النحل:106) .

سبب النزول:

قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: "وقد روى العَوفِي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن هذه الآية نزلت في عمَّار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر ب محمد -صلى الله عليه وسلم-، فوافقهم على ذلك مُكرَها، وجاء معتذرًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأنزل الله هذه الآية، وهكذا قال الشعبي، وقتادة، وأبو مالك" اهـ ، ثم قال: "ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يوالي المكرَه على الكفر؛ إبقاءً لمهجته" اهـ .

شروط الإكراه المعتبر شرعًا:

ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري هذه الشروط:

"1- أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجزًا عن الدفع، ولو بالفرار.

2- أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.

3- أن يكون ما هدد به فوريًّا، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتك غدًا؛ لا يعد مكرهًا، ويُستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًّا، أو جرت العادة بأنه لا يخلف.

4- أن لا يظهر من الأمور ما يدل على اختياره: اهـ .

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره عند قوله -تعالى-: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) (البقرة:207) : "قال ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، فإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة، فقالوا: ربح البيع، فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية"، ثم قال -رحمه الله-: "وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله" اهـ .

على أي شيء يصح الإكراه؟

قال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره: "أجمع العلماء على أن مَن أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. واختلف في الزنا، فقال مطرف وأصبغ وابن عبد الحكم وابن الماجشون: لا يفعل أحد ذلك وإن قُتِل لم يفعلْه، فإن فعله فهو آثم، ويلزمه الحد، وبه قال أبو ثور والحسن، قال ابن العربي: الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنا، ولا حد عليه، خلافًا لمن ألزمه ذلك" .

الصفحة التالية