شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل في استمرار "حزب النور" في المشهد السياسي الحالي موالاة للعلمانيين؟!

الشيخ ياسر برهامي • الولاء والبراء

ثم قال -رحمه الله-: "وقال ابن خويز منداد في أحكامه: اختلف أصحابنا متى أكره الرجل على الزنا، فقال بعضهم: عليه الحد لأنه إنما يفعل ذلك باختياره، وقال بعضهم: لا حد عليه، قال ابن خويز منداد: وهو الصحيح. وقال أبو حنيفة: إن أكرهه غير السلطان حُد، وإن أكرهه السلطان فالقياس أن يُحد، ولكن أستحسن ألا يُحَد، وخالفه صاحباه فقالا: لا حد عليه في الوجهين، ولم يراعوا الانتشار، وقالوا: متى علم أنه يتخلص من القتل بفعل الزنا جاز أن ينتشر، قال ابن المنذر: لا حد عليه، ولا فرق بين السلطان في ذلك وغير السلطان" اهـ .

هل يصح الإكراه على القول والفعل أم القول فقط؟

قال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره: "ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه، مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله، أو الصلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم أو ضربه، أو أكل ماله، أو الزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، يُروى هذا عن الحسن البصري، وهو قول الأوزاعي، وسحنون من علمائنا، وقال محمد بن الحسن: إذا قيل للأسير: اسجد لهذا الصنم وإلا قتلتك، فقال: إن كان الصنم مقابل للقبلة، فليسجد، ويكون نيته لله -تعالى-، وإن كان لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه.

والصحيح أنه يسجد وإن كان لغير القبلة وما أحراه بالسجود حينئذٍ، فقد قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه"، قال: وفيه نزلت: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) (البقرة:115) ... فإذا كان هذا مباحًا في السفر -في حالة الأمن- لتعب النزول عن الدابة للتنفل، فكيف بحالة هذا المكرَه؟! واحتج من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلمًا به"، فقصر الرخصة على القول، ولم يذكر الفعل، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يجعل الكلام مثالاً، وهو يريد أن الفعل في حكمه، وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء، إذا أسر الإيمان، روي ذلك عن عمر بن الخطاب، ومكحول، وهو قول مالك، وطائفة من أهل العراق، وروى ابن القاسم عن مالك أن من أكره عل شرب الخمر، وترك الصلاة، أو الإفطار في رمضان، أن الإثم عنه مرفوع" اهـ .

بمَ يصح الإكراه؟

قال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره: "واختلف العلماء في حد الإكراه، فروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، أنه قال: ليس الرجل بآمن على نفسه إذا أخفته، أو أوثقته، أو ضربته، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلمًا به، وقال الحسن: التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة، إلا أن الله -تبارك وتعالى- لم يجعل في القتل تقية، وقال النخعي: القيد إكراه، والسجن إكراه، وهذا قول مالك... وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت، إنما هو ما كان يؤلم من الضرب، وما كان من السجن يدخل من الضيق على المكره، وإكراه السلطان وغيره عند مالك إكراه.

وتناقض الكوفيون فلم يجعلوا السجن والقيد إكراهًا على شرب الخمر، وأكل الميتة؛ لأنه يخاف منهما التلف، ويجعلوهما إكراهًا في إقراره على ألف درهم، قال ابن سحنون: وفي إجماعهم على أن الألم والوجع الشديد إكراه ما يدل أن الإكراه يكون من غير تلف نفس، وذهب مالك إلى أن مَن أكره على يمين بوعيد، أو سجن، أو شرب أنه يحلف، ولا حنث عليه، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأكثر العلماء" اهـ .

هل يختلف حكم الإكراه مع اختلاف المكره عليه ونوع الإكراه؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "تأملت المذاهب، فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه، فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر، كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضع: أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب، وقيد، ولا يكون الكلام إكراها" اهـ .

قال القرطبي في تفسيره (4/ 3416): "أكره يوسف -عليه السلام- على الفاحشة بالسجن، وأقام خمسة أعوام، وما رضي بذلك لعظيم منزلته، وشريف قدره، ولو أكره رجل بالسجن على الزنا، ما جاز له إجماعًا، فإن أكره بالضرب فقد اختلف فيه العلماء، والصحيح أنه إذا كان فادحًا فإنه يسقط عنه إثم الزنا وحده. وقد قال بعض علماؤنا: إنه لا يسقط عنه الحد، وهو ضعيف، فإن الله -تعالى- لا يجمع على عبده العذابين، ولا يصرفه بين بلاءين، فإنه من أعظم الحرج في الدين، قال -تعالى-: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (الحج:78) " اهـ .

مسألة في بيان التقية:

قال -تعالى-: ( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) (آل عمران:28) .

قال البغوي -رحمه الله- في تفسيره: "نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم، إلا أن يكون الكفار غالبين، ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم، فيداريهم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان دفعًا عن نفسه من غير أن يستحل دمًا حرامًا، أو مالاً حرامًا، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين، والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل، وسلامة النية، قال -تعالى-: ( إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) (النحل:106) ، ثم هذه رخصة؛ فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم" اهـ .

وقال ابن القيم -رحمه الله- في بدائع الفوائد: "معلوم أن التقاة ليست بموالاة، ولكن لما نهاهم عن موالاة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم، والبراءة منهم، ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال، إلا إذا خافوا من شرهم، فأباح لهم التقية، وليست التقية موالاة لهم" اهـ .

الصفحة السابقة الصفحة التالية