"الإخوان" و"الدعوة السلفية"... مفاهيم ومفترق طرق
أحمد الفيشاوي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كان من أهم أسباب حرص "الدعوة السلفية" على المشاركة في دستور (2012م) هو رفضها الاكتفاء في الاحتكام للشريعة بما هو قطعي الثبوت والدلالة فقط، والذي قد يوحي به جزء مقتضب من حكم للمحكمة الدستورية عام (1996م) في تفسيرها لمبادئ الشريعة كما جاء ذكرها بالمادة الثانية في الدستور.
بينما ترى "الدعوة السلفية" وجوب الاحتكام إلى الشريعة كاملة سواء منها ما اصطلح بعض المتأخرين على تسميته: "بالقطعي" أو ما كان وفق هذا الاصطلاح يعتمد على دليل "ظني".
وترى "الدعوة السلفية" أن الاقتصار على الاحتكام لما هو قطعي الدلالة والثبوت يعني "الاحتكام لبعض الشريعة، والإعراض عن البعض الآخر"، وهو يخرج آلاف الأحكام الشرعية الثابتة عن دائرة التحكيم، كما أنه يبيح للبرلمان الاختيار من خارج اجتهادات فقهاء الأمة السالفين.
وبصرف النظر عن أن نص حكم المحكمة الدستورية في القضية المشار إليها قد أشار إلى أن الشريعة تتضمن أحكامًا اجتهادية ينبغي للمشرع التقيد بقواعد الاجتهاد فيها، إلا أن مجرد تقسيم الشريعة إلى ما هو قطعي وظني كثيرًا ما يُحدِث لبسًا وسوء فهم عند غير الدارسين والمتخصصين، فيظن البعض أن المراد من إطلاق صفة الظنية أنها لا ترقى للاحتجاج بها في مسائل الحلال والحرام.
وإنما المقصود من صفة الظنية هنا: أن الدليل في أصل مصدره لم يبلغ ناقلوه حد التواتر المعروف شروطه في علم الحديث، هذا من جهة الثبوت، أما من جهة الدلالة: أن تحتمل دلالة النص في أصل وضعه اللغوي معنى غير المعنى الظاهر المتبادر إلى الذهن.
ولا يعني هذا أو ذاك سقوط الاستدلال بهما، وحصر الاستدلال فيما كان متواترًا أو لا يحتمل لفظه وأصل وضعه اللغوي إلا معنى واحدًا، بل الواجب عند كافة أهل العلم من الصحابة والسلف، ومَن سار على منهجهم: الاحتجاج بالأحاديث النبوية ولو كان رواتها وناقلوها دون حد التواتر، وهو ما يُسمى بأحاديث الآحاد، والاستدلال بظاهر النص القرآني أو الحديث النبوي صحيح الإسناد حتى ولو احتمل اللفظ معنى آخر محتمل، ولا يصار إلى المعنى البعيد المحتمل وترك المعنى القريب الظاهر إلا بدليل خاص معتبر، وحينئذٍ فيصبح المعنى البعيد الاحتمال هو المعنى القريب الظاهر، ويصبح المعنى القريب الظاهر غير مراد في سياق هذا النص.
وهذه القواعد السالفة في وجوب الاحتجاج بما كان ظني الدلالة أو الثبوت من الكلام المنسوب إلى الله -تعالى- أو إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- وعدم جواز الإعراض عنه إلا بدليل أقوى منه يرد إسناده ويضعفه أو يصرف معناه عن ظاهره - من أهم قواعد الاجتهاد عند المذاهب الأربعة وغيرهم من العلماء في فهم النصوص الشرعية والتعامل معها والاحتجاج بها.
ولذلك أصبح مخالفة هذه القواعد على مر التاريخ سمة غالبة على أهل البدع عمومًا "وعلى المعتزلة خصوصًا"، وكان غالب مخالفة أهل البدع القدامى لهذه القاعدة في مسائل العقائد والأخبار، فيصرفون نصوص القرآن التي يحتج بها عليهم أهل السنة عن ظاهرها، ويضعـِّفون الأحاديث النبوية تحت دعوى أنها دون حد التواتر، فهي أحاديث آحاد ظنية الثبوت لا يحتج بها عندهم!
وقد رد عليهم العلماء المتبعون لمنهج الصحابة والسلف، وبيَّنوا أصل بدعتهم وسبب وقوعهم فيها، واللوازم الباطلة لأقوالهم.
ولذلك أصبح تقسيم النصوص الشرعية إلى قطعي وظني من المسائل الشائكة التي تحتاج لتفصيل، ومعرفة مراد مَن يقسِّمها؛ هل يقسمها لتسهيل الدراسة والتعليم لطلبة العلم، وبيان أنواع الدلالات واختلاف قوة الثبوت بين النصوص، وتحديد الموقف من المخالف، وحكم مخالفته: تكفيرًا، وتبديعًا، وتخطئة مع سعة الخلاف من عدمها؟ - فهذا لا بأس به، وقد درج عليه كافة العلماء المنتسبين إلى السنة والمنهج السلفي، أم أنه يستخدم هذا التقسيم لرد ما أوجب الله -تعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أن نقبله؟ فهذا هو طريق أهل البدع والضلال.
ولما كان استخدام هذا التقسيم يحتمل معنى صحيحًا وآخر ضلالاً؛ كان الواجب على كل مَن يستخدم هذا التقسيم أن يبين مراده ومنهجه.
وهذه المسألة قد أثارها بعض المنتسبين للعلم في العصر الحديث المخالفين لمنهج السلف في التعامل مع نصوص الكتاب والسنة النبوية، واستخدموا نفس التقسيم ونفس التأصيل الذي استخدمه أهل البدع عمومًا "والمعتزلة خصوصًا" في رد وتأويل نصوص الكتاب والسنة، مع فارق بين القدامى والمعاصرين، وهو أن القدامى اُشتهِر عنهم مخالفة هذه القاعدة السلفية في العقائد والأخبار والغيبيات، في حين أن المعاصرين اشتهر عنهم مخالفة هذه القاعدة في الأوامر والمنهيات، والحلال والحرام.
وبينما قال القدامى من هؤلاء أنه ينبغي الإعراض عن ظواهر هذه النصوص ورد ما كان منها دون التواتر لأجل مخالفة هذه النصوص للعقل الذي يعتبرونه أصرح وأثبت وأقوى في الاحتجاج من النصوص التي يصفونها على سبيل الذم والتضعيف أنها سمعيات ظنية - قال المعاصرون منهم في نصوص الحلال والحرام ما قاله القدامى، وأضافوا إليه أنه ينبغي أن تكون الأحكام الشرعية متناغمة مع أعراف وميول ورغبات المجتمع، وما يخالف ذلك من النصوص الشرعية فإن العقل -الذي هو مقدم عندهم على الأدلة السمعية- يحكم بضعف هذا الدليل ورده أو قبوله وتقديمه، فعزلوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن وظيفة البلاغ والإنذار وبيان الحلال من الحرام، وعيَّنوا بدلاً منه عقولهم في ذلك تحت دعوى: "تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان"، مع أن الكلام في الأحكام وليس في الفتوى، ومع أن الفتوى إنما تستقى ابتداءً من معرفة الحكم الشرعي الثابت بالكتاب والسنة النبوية.
ويعد من أبرز رموز هذه المدرسة ذات النزعة العقلانية الاعتزالية في عصرنا الحديث الشيخان: "القرضاوي" و"الغزالي" -عفا الله عنهما-، وقد رد عليهما العلماء المنتسبون لمنهج السلف في مواطن كثيرة، وأفردوا لذلك كتبًا وأبحاثًا.