شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"الإخوان" و"الدعوة السلفية"... مفاهيم ومفترق طرق

أحمد الفيشاوي • المنهج السلفي

ولسنا هنا في مقام الرد التفصيلي للجزئيات والأحكام والفتاوى التي استخدم فيها الشيخان قواعد المعتزلة في رد النصوص وإثبات الأحكام، ومؤلفات الشيخين وكتبهما وفتاويهما وكلامهما في ذلك مبذول لكل طالب يريد أن يستوثق من طريقة الشيخين في الإفتاء والاستنباط للأحكام الشرعية، فليس أخطر ما في فتاويهم هو الفتوى نفسها، بل الأخطر من ذلك تأصيلهم لقواعد يهدمون بها أكثر الشريعة تحت دعوى أنها أحكام مستنبطة من أدلة ظنية الدلالة أو الثبوت.

ولما كان الشيخان ينتميان في الأصل منذ شبابهما إلى جماعة الإخوان المسلمين فقد حازا منزلة ورمزية عند الجماعة، ليصبحا مرجعية فكرية ومنهجية للجماعة، وهو ما ألقى بظلاله على طرق تفكير أكثر المنتمين للجماعة، وطرق تعاملهم مع النصوص والأحكام الشرعية؛ حتى ربما سرى إلى كثير منهم ليس مجرد منهج المعتزلة في الفهم فقط، بل سرى إليهم نظرة الشيخ "الغزالي" للسلفيين وللمنهج السلفي في فهم النصوص والتعامل معها، وتهكمه في كثير من كتاباته بالسلفيين إلى درجة تصل أحيانًا إلى الاحتقار وسوء الأدب.

هذه المقدمة في بيان القاعدة السلفية في التعامل مع نصوص الكتاب والحديث النبوي، وبيان موقف رموز كبيرة لجماعة الإخوان المسلمين منها "لابد منها"؛ لنعرف ما هو حقيقة موقف الجماعة من المادة الثانية للدستور، وموقفها من تعديلها في دستور (2012م)، وموقفها من إضافة تفسير لها سواء في دستور (2012م) أو (2013م).

وهو تفصيل ليس الغرض منه التجني أو المزايدة على أحد، ولكنه وضع للأمور في نصابها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن: مشاركة الإخوان بالعملية السياسية وبالانتخابات البرلمانية لم تتوقف في يوم من الأيام على المادة الثانية مفسَّرة أو غير مفسرة، بل تاريخ مشاركة الإخوان بالبرلمان يعود لأيام الشيخ حسن البنا -رحمه الله-، ولم يكن بدستور البلاد حينها نص المادة الثانية من الدستور الحالي ولا مضمونها، وكذلك شارك الإخوان المسلمون بانتخابات السبعينيات قبل تعديل المادة الثانية من (مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي من مصادر التشريع) إلى: (مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي من مصادر التشريع).

أما على المستوى النظري: فقد أشرنا لموقف شيخين من أبرز الرموز العلمية للجماعة، أما مَن ليس عنده سعة لقراءة منهج الشيخين؛ فيكفيه أن يحاور عينة من أتباع الجماعة في بعض أمور الحلال والحرام، والأحكام الشرعية؛ ليتأكد بنفسه أن هذا المنهج قد سرى في عقول وقلوب أكثر المنتمين لها لدرجة يمكن أن يقال عنهم فيها أنهم "ملكيون أكثر من الملك "، حتى إنك لتقول إن الشيخين على فرط انتصارهما للمدرسة العقلانية الاعتزالية لم يقع في كلامهما من الضلال وفساد الاستدلال ما تسمعه ممن شربوا هذا المنهج على جهل مطبق.

ولذلك فقد سمعتُ -وسمع غيري- من بعضهم أثناء وضع دستور (2012م) استغراب وإنكار على "الدعوة السلفية" لمحاولتهم تعديل المادة الثانية، واستبدال لفظ "مبادئ" بـ"أحكام" أو وضع مادة مفسِّرة لها، وكان داعي الاستغراب والإنكار أننا يكفينا الاحتكام لما هو قطعي الثبوت والدلالة، وهو أمر تكفله المادة الثانية بلفظ المبادئ؛ لا سيما مع حكم المحكمة الدستورية سنة (1996م) المشار إليه سابقًا؛ فلماذا تفتعلون المشاكل والعراقيل؟!

وهذا الذي قالوه هو السر في أن أعضاء الجماعة داخل اللجنة التأسيسية لا يُؤثر عن واحد منهم أي كلمة في تعديل المادة الثانية أو حتى وضع مادة مفسِّرة لها!

والأمر ليس اجتهادًا فرديًّا من شاب هنا أو هناك يتقول على جماعته ما لا تتبناه، بل هذا ثابت وموثق على رموز ومواقع رسمية للجماعة، فمثلاً: كتب الدكتور "جمعة أمين عبد العزيز" ببوابة الحرية والعدالة بتاريخ (26- 2 - 2013 م) مقالاً بعنوان: "خلاف في ظلال الحب في الله" أشار فيه لتبنيه لهذا التقسيم، فقال: "... ولأجل تضييق هُوّة الخلاف بين الأفراد قرَر الشرع أن هناك دوائر أو مجالات لا يجوز الاختلاف حولها؛ لأنها من ثوابت هذا الدين ومرتكزاته، وتتمثل -إجمالاً- في القطعيات الشرعية، ويقصد بها ما كان قطعي الثبوت والدلالة؛ سواء أكان في باب العقائد أو العبادات أو الأخلاق... أما غير ما هو قطعي في الشرع فالاختلاف فيه واسع، وتنوع الأفكار والتصورات فيه وارد" اهـ .

فالقاعدة عنده أن ما كان ظني الثبوت والدلالة يسع فيه المخالفة وعدم الإنكار، وهذه القاعدة على هذا النحو هي من مخلـَّفات فكر المعتزلة!

وفي تاريخ (26-3-2011م) كتب "حازم علي ماهر" بالموقع الرسمي للجماعة "إخوان أون لاين" مقالاً بعنوان: "المادة الثانية بين الإلهاء والإلهام!"، ذكر فيه أنه لم يكتب هذا المقال إلا لما وجد الجدل حول المادة الثانية يتصاعد -على حد تعبيره-: "بشكل عبثي يبدو أنه يسعى إلى تحويلها إلى مصدر إلهاء لأبناء الوطن!". وكان هذا المقال في نفس الأيام التي دشنت فيها "الدعوة السلفية" حملتها للحفاظ على الهوية؛ نظرًا لما تراه من طمع أعداء الشريعة في تعديل الهوية الدستورية للدولة على خلفية أحداث الثورة.

ولما كانت "الدعوة السلفية" هي التي كانت تعتبر الكلام على المادة الثانية ليس إلهاءً، بل هو في غاية الأهمية عمومًا "وفي ظل الظروف التي كانت تمر بها البلاد خصوصًا"، فطبيعي أن ينتبه كاتب المقال إلى الاختلاف الجذري بين فهمه للشريعة وفهم هؤلاء السلفيين الذين يطالبون بـ"إلهاء الشعب!".

ولذلك لم ينسَ الكاتب أن يؤكِّد على مفهومه لمبادئ الشريعة، فقال: "ومبادئ الشريعة الإسلامية: أي كلياتها التي هي ليست محل خلاف بين الفقهاء، كما عرَّفها العلامة "عبد الرزاق السنهوري"، أول مَن وضع هذا المفهوم في النظام القانوني المصري، وبالتحديد في القانون المدني الذي صدر سنة (1947م)، والذي لا زال مطبقًا في مصر حتى الآن، وأنا أختار هنا كتعريف أدق من ذلك الذي وضعته المحكمة الدستورية العليا في أحكامها بأنها الأحكام الشرعية قطعية الثبوت والدلالة... ".

الصفحة السابقة الصفحة التالية