"الإخوان" و"الدعوة السلفية"... مفاهيم ومفترق طرق
أحمد الفيشاوي • المنهج السلفي
وتحت عنوان: "تفسيرات خاطئة" ذكر بعض المشاكل التي سماها بـ"الكبرى" حول مفهوم المادة الثانية، فذكر منها: "عدم التمييز بين الشريعة الإسلامية والفقه الآخذ عنها، سواء كان ذلك ناجمًا عن جهل أو تجاهل؛ وهو ما يحسب على الشريعة ما ليس منها، كالاعتماد على اجتهاد يتناسب مع زمنه، والسياق الاجتماعي والفكري المحيط به، ولا يتناسب مع زماننا!".
والتفريق بين "الشريعة" و"الفقه" هو تأصيل بشكل آخر لمسألة التفريق بين "القطعي" و"الظني"؛ بحيث يصبح الأول هو الملزم دون الثاني.
وهذا التفريق هو بعينه الذي ذكره د." محمد مرسي" عندما سئل عن تطبيق الشريعة والمادة الثانية، وقطع يد السارق، فقال: "إن مسالة قطع يد السارق من الفقه، وليست من الشريعة!".
مع أن قطع يد السارق -كما هو معلوم- مسألة مما يقال فيها إنها قطعية الثبوت والدلالة، إلا أن التشبع بهذا المنهج جعل مَن يتبناها يكررها دون ضابط حتى في المسائل القطعية، وهذا من مخاطر الالتجاء لهذا التقسيم؛ حيث لن يعجز كل مَن يريد التحلل من أحكام الشريعة أن يدعي أن المسألة الفلانية من الفقه وليست من الشريعة! وأن لفظها يحتمل أكثر من معنى، وأنه كان مقصود الشارع كذا... وكذا... إلى غير ذلك من أنواع التأويل الذي يُفسد دلالة النصوص.
وإذا قالوا هنا: "إنه يجب مراعاة الإجماع في التفريق بين ما هو قطعي وما هو ظني": فلا ينفعهم ذلك، فإن الذي يطعن في النصوص لن يعجز عن الطعن في الإجماع؛ إما في ثبوته وإما في دلالته، وهذا قد عهدناه وجربناه من أصحاب هذا الفكر في عشرات المسائل.
وفي التسريبات الأخيرة التي نشرتها "قناة اليوم السابع" على اليوتيوب لمجلس شورى الإخوان المسلمين؛ نجد تأكيدًا من الدكتور " محمد مرسي" على انتمائه لهذه المدرسة؛ فقد ذكر تفضيله للفظ: "مبادئ" الشريعة الاسلامية ورفضه لاستبدالها بلفظ: "أحكام"! وعلل ذلك بأن "مبادئ" تعني ما كان قطعي الثبوت والدلالة، أما "أحكام" فهي تعني أحكام الفقه، وهي بطبيعتها -حسب تعبيره- متغيرة، ويشير د."مرسي" في هذا التسجيل إلى أن هذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها الإخوان مع السلفيين، وكفى بهذا شهادة من د." محمد مرسي" على أن هناك فرقًا في فهم الشريعة بين الإخوان و"الدعوة السلفية"، وأن الإخوان أميل إلى التقيد بتعريف المادة الثانية بما كان قطعي الثبوت والدلالة وأن السلفيين هم الذين يرفضون ذلك.
إذن فالمشروع الإسلامي بفكر المدرسة العقلانية الاعتزالية الحديثة "والتي ينتمي إليها الطيف الأكبر من جماعة الإخوان المسلمين" لا يختلف جوهره في النواحي التشريعية ومسائل الحلال والحرام عما يدعو إليه بعض العلمانيين الموصوفين بأنهم "معتدلون" مِن الرجوع إلى الشريعة في روحها ومقاصدها ومغازيها، وكل ما يحوم حولها... إلا أننا -وفق معتقدهم- غير ملزمين بلفظها ونصها وفهمها الذي فهمه القدامى من السلف والتابعين!
والمتابعون لمنهج الجماعة والمدرسة العقلانية الحديثة يستشعرون ذلك جيدًا، ويعلمون مدى التقارب بينهم.
وفي دستور (2013م) كان مِن أهم أسباب مشاركة "الدعوة السلفية" في صياغته هو محاولة الحفاظ على مضمون المادة (219)، والتي تفرض على المشرع نوعًا من الالتزام بالمنهج الإسلامي في التقنين.
وقد كانت هذه المحاولة مهددة بالفشل بعد محاولة البعض -"منهم الكنيسة، والتيار الليبرالي"- الاكتفاء في اللجوء للشريعة بما هو منها قطعي الثبوت والدلالة، وكان (حزب النور) على وشك الانسحاب من (لجنة الخمسين)؛ بسبب ذلك، حتى قدَّر الله -تعالى- بتوفيقه التوافق على: "مجموع تفاسير المحكمة الدستورية لمبادئ الشريعة في أحكامها السابقة"، وهي في مجموعها لا تكاد تختلف عن مضمون نص المادة (219) الملغاة، بل هي -في بعض جوانبها - أصرح من المادة المحذوفة.
وبطبيعة الحال، فإن مجرد التنظير لا يعني أن الشريعة مطبقة أوتوماتيكيًّا بعد إقرار الدستور، بل إن ذلك يحتاج من المخلصين للشريعة مجهودًا جبارًا على مدار سنوات لا يعلم عددها إلا الله، ولعل هذا التنظير هو الذي يهيئ الطريق لمن يريد تقنين الشريعة في المستقبل.
فإلى مَن يطعن في "الدعوة السلفية" تحت دعوى أنها خانت المنهج السلفي، ورضخت لمفهوم القطعي والظني: راجِع أحكام المحكمة المحال إليها تفسير المادة الثانية، واعرف مضامينها جيدًا أولاً، ولا تتعجل في الظلم والبهتان، ولا تبخس الناس حقوقهم.
ثم ثانيًا: راجع منهج مَن تدافع عنهم، وتمعن في منهجهم، وتَبَيَّن مدى التقارب أو التباعد بيْن منهجهم وبين المنهج السلفي الذي تدعي الانتصار له، وتَبيَّن أيضًا مدى التقارب أو التباعد بيْن هذا المنهج الذي تدافع عن أصحابه وبيْن ما يقوله كثير من العلمانيين -المُسمَّيْن بالمعتدلين- في حق الشريعة التي تدافع عنها!