شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الوسطية والاعتدال في الحكم على "صاحب الظلال"

زين العابدين كامل • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الناس في الأستاذ "سيد قطب" -رحمه الله- على طرفين ووسط، فطرف اتهمه في دينه ورماه بكل نقيصة وأساء به الظن، وربما كفره بعضهم! وطرف على العكس من ذلك تمامًا اتخذه إمامًا له يتحاكم إلى أقواله ويعظمه تعظيمًا زائدًا، ووصل فيه إلى مرحلة الغلو، والوسط هم أهل العلم والإنصاف الذين لم يظلموه، ومع ذلك انتقدوا بعض العور والخلل الذي وقع فيه، وبينوا للأمة أنه ليس بعالم، ولكن له كلام طيب يستفاد منه.

والفكر "القطبي" هو نسبة للأستاذ "سيد قطب" -رحمه الله- وأخيه محمد قطب، والمجتمع عند القطبيين ينقسم إلى ثلاثة طبقات: طبقة المسلمين، وطبقة الكافرين، وأخرى موضع شبهة!

وعندهم أيضًا بدعة التجرؤ على التكفير، وليس عندهم العذر بالجهل، ولابد للمسلم أن يكون عالمًا بأمور الولاية، والحكم، والنسك، على وجه بالتفصيل.

ولكن في حقيقة الأمر: إن فكرة التكفير لم تتبلور بمفهومها عند الأستاذ "سيد قطب"، ولكن فَهِم البعض من كلامه ذلك؛ لاسيما وأنه قد ذكر في كتابه "المعالم" تحت بند: "لا إله إلا الله منهج حياة" أن المجتمع الجاهلي هو المجتمع الذي لا يخلص عبوديته لله وحده, ثم ذكر أنه يدخل في ذلك: "المجتمع الشيوعي - المجتمعات الوثنية - المجتمعات اليهودية والنصرانية - المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة"، ثم شرح "سيد قطب" هذه العبارات ليوضح المقصود منها.

ومن أقوال "سيد" -رحمه الله- في تفسيره لبعض آيات سورة الأنعام: "لقد استدار الزمان كهيئة يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بـ"لا إله إلا الله"، فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: لا إله إلا الله... ".

وهنا ظهرت مشكلة الفهم عند بعض الأفراد، مثل: "شكري مصطفى"، و" محمد قطب"، و"عبد المجيد الشاذلي"، وغيرهم، على اختلاف وتباين بينهم في الفهم، ثم تحول هذا الفهم إلى منهج لبعض التنظيمات: كجماعة التكفير والهجرة، والتوقف والتبيُّن، والسروريين الذين تكلموا بلسان سلفي!

وقد تأثرت جماعة الإخوان أيضًا بهذا الفكر وهذا الفهم "لاسيما الجيل الأول"، وهو جيل الشيوخ أو تيار التنظيم الخاص وبقايا جيل "65" الذين يسيطرون على الجماعة حاليًّا، وإن كانوا لا يجهرون بذلك، وقد عاصر بعض هؤلاء: الأستاذ "سيد" في السجن، مثل: الدكتور " محمد بديع"، والدكتور "محمود عزت"، وغيرهما.

وتشكل مؤلفات "سيد قطب" وآراؤه، ونظرياته الانفعالية، مكونًا أساسيًّا لهذا الجيل، والجيل الثاني هو جيل السبعينيات أو ما يُعرف بجيل الوسط، وهم الذين يرفضون رؤية الشيوخ ويطالبون بمراجعات حادة وصريحة على تراث الجماعة، وتراث سيد قطب، ويرون في خط الجماعة الحالي خروجًا على منهج المؤسس "حسن البنا"، ومِن أبرزهم: "عبد المنعم أبو الفتوح"، و" محمد حبيب" وغيرهما من بعض المنشقين والمنفصلين قديمًا وحديثًا عن الجماعة، مما يشير إلى أن السيطرة والقوة الآن قد أصبحت للتيار "القطبي".

وساهمت مرحلة السجن وتواصل المجموعات فيما بينها في انتشار بعض الأفكار القطبية بين القيادات الإخوانية، ومن أبرزهم: الأستاذ "أحمد عبد المجيد"، والأستاذ "صبري عرفة الكومي", وهما من قيادات تنظيم "65"، وما تزال امتدادات الفكر القطبي داخل الجماعة متجذرة من خلال بقايا تنظيم "65" الذين يديرون الإخوان المسلمين الآن.

وبناءً على المعطيات التاريخية السابقة تبدو السيطرة واضحة داخل الجماعة للتيار القطبي، وقد طالب الأستاذ "خالد الزعفراني" القيادي الإخواني المنشق قيادات جماعة الإخوان بتقديم استقالاتهم؛ لأن الفكر القطبي يسيطر عليهم.

هذا، وقد وقع الأستاذ "سيد قطب" -رحمه الله- في كثير من الأخطاء الشرعية، وقد علَّق عليه العلماء، فلقد تحدث عن بعض الصحابة: كمعاوية، وعثمان -رضي الله عنهما- بكلام غير منضبط في كتابيه: "كتب وشخصيات" و"العدالة الاجتماعية في الإسلام".

وكذلك في حديثه عن موسى -عليه السلام- في كتابه "التصوير الفني في القرآن"، ووقع في بعض الأخطاء في حديثه عن أسماء الله وصفاته في كتابه في التفسير "في ظلال القرآن".

وقد رأيت من باب الإنصاف أن أبيِّن وأبرز بعض المحاسن للأستاذ "سيد قطب" -رحمه الله تعالى-، وثناء البعض عليه حتى نعدل في النقد، وأن نظهر الوجه الحسن للأستاذ "سيد" -رحمه الله تعالى-؛ وذلك حتى لا يستقر في ذهن البعض الوجه الذي نتحفظ عليه فقط.

وقد رأيت أن أضع التعديل بجوار التجريح، وكلاهما من باب العدل في الحكم، فعند إبراز المعايب لابد من ذكر المحاسن أيضًا؛ لاسيما وأن مشايخنا الأفاضل يستشهدون ببعض كلامه في المؤلفات، والمحاضرات، والخطب، وقد قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون ) (المائدة:8) . وعلماء الجرح والتعديل كانوا يقولون عن الراوي: "هو صدوق عابد، لكنه سيئ الحفظ!".

أولاً: قال عنه "محب الدين الخطيب" -رحمه الله-: "لقد برهن سيد قطب بمواقفه في عهد الطغيان على أنه يحسن القول في تأييد الحق يوم يتجهم وجه الباطل القوي للحق إذا انصرف عنه جنوده".

ثانيًا: قال العلامة ابن باز -رحمه الله-: "سيد قطب اجتهد في الخير ودعا إليه، وصبر على المشقة" (مسجل على اليوتيوب) .

ثالثًا: قال الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله- في معرض رده على مَن بالغ في الحط على سيد قطب: "لكن هول ما ذكرتم دفعني إلى قراءات متعددة في عامة كتبه، فوجدت في كتبه خيرًا كثيرًا وإيمانًا مشرقًا، وحقًّا أبلجًا، وتشريحًا فاضحًا لمخططات الأعداء للإسلام على عثرات في سياقاته، واسترسال بعباراته ليته لم يفه بها، وكثير منها ينقضها قوله الحق في مكان آخر، والكمال عزيز.

الصفحة التالية