شبهات حول دستور (2013م)
عصام حسنين • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فجزى الله خيرًا كل مَن ساهم برأي أو بكلمة مكتوبة أو مسموعة أو بجهد أو تنفيذ لإقامة دين الله في الأرض ولإعلاء كلمته، ولأن تكون شريعة الله -تعالى- هي الحاكمة للنظام العام للدولة، وتكون المرجعية العليا للقوانين في البلاد.
هذه المكافأة بالشكر تطبيقًا وتعبدًا لله -تعالى- باسمه الشكور الذي يشكر القليل من عمل عباده ويجازيهم عليه الجزاء الحسن, قال -تعالى-: ( إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ) (الإنسان:22) ، وقال -تعالى-: ( مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ) (النساء:147) ، وقال الله -تعالى-: ( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) (العنكبوت:45) ، أي: ولذكر الله للعبد ثناءً عليه في الملأ الأعلى أكبر من ذكر العبد لربه -تعالى-، وهذا من كرمه وجوده -تعالى-، وكذلك شكر العبد للناس معروفهم يدل على كرم نفسه وطيب معدنه.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تُرَوْا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) . وأي معروف أعظم من معروف نشر الدين وحمايته، وتعبيد الناس لربهم -تعالى- وإعانتهم على ذلك، وحمايتهم من المعاصي والمنكرات؟!
قال حماد بن أسامة الكوفي -وكان صاحب سنة وجماعة-: "جزى الله مَن أعان الإسلام ولو بشطر كلمة".
وهذه المكافأة بالشكر أيضًا لقوله -تعالى-: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) (البقرة:83) .
قال علي -رضي الله عنه-: "يعني الناس كلهم"، وقال عطاء: "دخل في هذه الآية: اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي؟!".
قال القرطبي -رحمه الله-: "هذا حض على مكارم الأخلاق، فينبغي أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلقًا مع البر الفاجر، والسنّي المبتدع، من غير مداهنة ولا موالاة محرمة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضى مذهبه إلا أن الله -تعالى- قال لموسى وهارون -عليهما السلام-: ( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) (طه:44) ، فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله -تعالى- باللين معه!".
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لو قال لي فرعون: بارك الله فيك! لقلتُ وفيك، وفرعون قد مات" (صحيح الأدب المفرد) .
وهذا الأمر من الله -تعالى- من محاسن الأخلاق والمعاشرة التي تفتح القلوب، وتستثير الخير فيها لعله يتذكّر أو يخشى، والخير مقبول من كل مَن جاء به كائنًا من كان، ألم تر أن الله -تعالى- صدّق على كلمة ملكة سبأ -وكانت تعبد الشمس من دون الله- لما قالت: ( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ) فقال الله -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) (النمل:34) .
وهذا رد على أول شبهة قيلت: "دستور لجنة الشياطين!"، وشبهة "د. محمد إبراهيم... يشكر ويُثني على العالمانيين والنصارى والليبراليين مساندتهم للشريعة!"، وشبهة: "وهل هذا الشكر غيَّر منهم شيئًا؟!".
وزيادة جواب لها: ( لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )، ولعل هذا الشكر يكون تذكرة للمسلم بإسلامه الذي يجب أن يلتزم به وينصره؛ فهم ليسوا بأشر من فرعون -لعنه الله- الذي يعلم الله -تعالى- كفره وأنه ليس بمؤمن، وأنه سيحارب موسى -عليه السلام- ودينه، ومع ذلك أرسل له موسى وهارون -عليهما السلام- وأمرهما بـ( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )؛ لأن هذا هو الواجب على الرسل وأتباعهم أن يُبينوا للناس البيان الواضح، وأما هداية التوفيق للإيمان؛ فلله -تعالى- وحده. وأسأل الله -تعالى- الهداية للخلق أجمعين.
وقبل أن أتعرض بالتوضيح والرد لأهم الشبهات التي أثيرت... أحب أن أبيِّن قواعد مهمة لابد أن يستصحبها قارئ الدستور وناقده.
فمن ذلك:
- هذا الدستور هو الممكن المتاح، وفيه ما لا يرضينا وإن كان مضبوطًا بالمادة الثانية الحاكمة على جميع مواد الدستور، وذلك بعد صولات وجولات وتهديدات إلى أن سلَّم الله -تعالى- وخرج للنور، ونسأله -تعالى- حسن التمام.
- هذا الممكن لم يكن عن تقصير وعدم بذل الوسع أو هوى أو خيانة للأمة كما تشدد البعض، وإنما كان وفق القواعد والمقاصد الشرعية، فشريعتنا جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها.
ومن قواعد ذلك:
- لا يُنهى عن منكر بأنكر منه، وتحتمل المفسدة الأدنى لدفع الأعلى : ويجب أن يكون الأمر بالمعروف على أحسن الوجوه؛ فإن كان في إقامته مفسدة تزيد على مصلحته قُدِّم درء المفسدة وحُصل من المصلحة قدر الإمكان، وأما عند تعارضهما قدم درء المفسدة، أي نحصِّل خير الخيرين وندرأ شر الشرين، وأدلة هذه القواعد معلومة لإخواننا.
- لابد أن يُنقد الدستور جملة: فما أُطلق في موضع قيد في موضع آخر، وما أُجمل في موضع فُسر في موضع آخر، وهكذا كما سنوضح.
- لا يُنهى عن نور فيه ظلمة حتى يوجد نور لا ظلمة فيه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.
- القدرة مناط التكليف: فما كان في المقدور بالضوابط السابقة وجب تنفيذه وامتثاله والسعي لإيجاده، وما ليس في الوسع وعُجز عنه فيسقط تنفيذه ولا يؤاخذ العبد، لكن يسعى بوسائل أخرى لدفعه أو تحقيقه يومًا ما، وهذه قاعدة الممكن والمرجو؛ فيُسعى لإيجاد ما في الإمكان مع الأخذ بالأسباب والوسائل للوصول إلى المرجو -بإذن الله-.
الشبهة الأولى: (دستور الانقلاب):
أولاً: نبرأ إلى الله -تعالى- من كل قطرة دم أريقت بغير حق، ويعلم الله -تعالى- أننا سعينا بكل ما في مجهودنا لمنع ذلك، ثم لما وقعت سعينا لحقنها إلا أننا غُلبنا على ذلك.
ثانيًا: نحن تعاملنا مع واقع فرض نفسه كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ) (رواه البخاري) .