شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

شبهات حول دستور (2013م)

عصام حسنين • قضايا معاصرة

وكما نص أهل العلم إذا تغلب مَن له قوة وشوكة، وغلب على الظن أن في مواجهته إراقة للدماء، واضطراب الأمور، وتسلط العدو وغيره، تترك مواجهته ويُتعامل معه بما فيه مصلحة ودرء المفسدة، كما أننا عرضنا مبادرة عليهم فرفضوها، فماذا يجب علينا إلا ما فعلناه؟!

وكما قلنا سابقًا: إن من أهداف مشاركتنا السياسية هو المشاركة في وضع الدستور للحفاظ على مادة الشريعة والهوية، وألا نترك وضع الدستور للعلمانيين ليخرجوا بمنتج علماني قـُح لا نستطيع نحن قبل الناس أن نعيش في بلادنا؛ لأنه سيحكم النظام العام للدولة!

وأعلى هذه المصالح: مصلحة الدين ثم مصلحة النفس، ودرء المفاسد عنهما، وأي مفسدة أعلى من مفسدة خسارة الدين وانصراف الناس عن العلماء، ومِن ثَمَّ الانصراف عن الدين؟!

وكانت المشاركة في لجنة الخمسين من هذا الباب أيضًا: من أجل مصلحة إقامة الدين والتحاكم إلى شريعة الله -تعالى-، وأن تكون الشريعة هي الحاكمة على مواد الدستور، وأن تكون المرجعية لجميع القوانين في البلاد، والحفاظ على هوية الأمة الإسلامية خصوصًا مع وجود من يريد تذويبها والقضاء عليها كما قُدمت اقتراحات للجنة بحذف: "الإسلام دين الدولة" باعتبار أن الدولة لا دين لها!

وقُدم اقتراح آخر بدلاً منها: "ودين غالبية مواطنيها الإسلام"، باعتبار أن الدين علاقة روحية بين العبد وربه وليس دينًا يحكم النظام العام للدولة.

وقُدم اقتراح آخر بحذف الألف واللام من المصدر لتصبح الشريعة أحد مصادر التشريع كما في دستور71.

وكذلك قدّم اقتراح: "تعتبر كل الحقوق والحريات الواردة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصدق عليها جزءًا لا يتجزأ من هذا الدستور".

وكذلك قُدّم اقتراح آخر نصه: "يتمتع المواطن المصري بكل حق مستمد أو مستلهم من الأديان السماوية أو مقررًا بنص تضمنته معاهدة أو اتفاقية دولية وقعت عليها أو انضمت إليها مصر". وهذا الاقتراح يجعل الاتفاقيات الدولية من مصادر التشريع فيما يتعلق بالحقوق والحريات.

وكذلك قُدّم اقتراح أن تتضمن الديباجة تنوع مصادر التشريع، وآخر بأن يتسق الدستور مع الشرعة الدولية.

وكل ذلك -والحمد لله- رفضته اللجنة، وبقيت المادة كما هي بدون تغيير لتكون الركن الأعظم لنظام الدولة العام.

ثالثًا: مَن يقول: "لا أشارك في دستور الانقلاب!": نقول له: إن كانت لك مصادر شرعية فلا بأس، أما بمجرد العواطف فلا، لأن الشرع حاكم على جميع نوازع ومرادات النفوس، ولابد أن تكون موافقة له: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) (البقرة:165) ، ( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (المجادلة:22) .

وأمرنا شرعًا أن نتعامل مع الواقع قوة وضعفًا كما هو معلوم من مراحل تشريع الجهاد: ففي أول الدعوة كان الضعف والاستضعاف من قِبَل مشركي قريش، فأمر -صلى الله عليه وسلم- -بالصبر على الأذى والعفو والصفح مع الإعراض عن الجاهلين والاستمرار في الدعوة إلى الله -تعالى- باللسان بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم لمّا هاجر -صلى الله عليه وسلم- للمدينة وصارت له دولة أذِن له في القتال ورد المعتدين، وفي هذه الفترة كانت معاملته مع يهود المدينة بوثيقة المدينة، ثم لما تمكن الإسلام أكثر فُرض جهاد الطلب وفرضت الجزية لمن أبى الإسلام.

وفي صلح الحديبية درس بليغ لما مر -وما زال يمر- بنا من أحداث! ولكن للأسف استفتي مَن لا علم له كما حكى الإمام مالك أنّه دخل على شيخه ربيعة الرأي -رحمهما الله- فوجده يبكي فسأله، فقال: "استفتي في دين الله مَن لا علم له... ".

استفتي في أحداث شائكة متداخلة -لا يتكلم فيها شرعًا إلا العلماء بالشرع والواقع- مَن لا علم له، وخاض فيها المتعالمون والمعجبون بآرائهم وعقولهم، فوقعت المصائب والكوارث من سفك الدماء والاعتقالات، وضعف الدعوة، وتجرؤ العوام على العلماء الذين حقهم أن يوقّروا ويُتابعوا؛ بله انصرف شباب عن الدين، ومنهم من ألحد! وإنا لله وإنا إليه راجعون.

فصار من الواجب إعادة الثقة بين الناس وعلمائهم وبين الدعوة إلى الله -تعالى- والمدعوين لتحقيق المصلحة الكبرى؛ مصلحة الدين ودفع مفسدة نقصانه أو ابتعاد الناس عنه.

ثم ما علاقة رفض الدستور الذي سيحدد علاقة الحاكم بالمحكوم وشكل الدولة ونظامها العام، والذي سيكون المرجعية العليا للقوانين في البلاد بما يقوله البعض ممن يريد إسقاط مؤسسات الدولة لسقوطه ويتمنى للناس الشر وللبلد الانقسام والنفق المظلم كسوريا وغيرها!

الواقع خير شاهد للاجتهادات في النوازل: هل كانت صحيحة أم خاطئة؟! فلسنا في حاجة لأن نقول كل ما حدث حذرنا منه! ولولا ظهورنا في المشهد لكانت المفاسد أشد مما وقع، وما منع الهجمة الشرسة على الملتحين والمنقبات قبل "30-6" وما بعدها إلا هذا الظهور الذي ظهر به التمييز بين الخطاب العنيف والتهديد بالدم، وبين من يحب للناس الخير ويريد لهم المصلحة!

ثم بعد ذلك يريد أن يستمر في مسلسل جلب المفاسد بالسعي لإسقاط الدستور الذي ليس بعده إلا خيارات كلها مُرة؛ إما إعلان دستوري جديد يوضع كما يريدون أو دستور 71 الذي تنص مادته الثانية على أن مبادئ الشريعة مصدر من مصادر التشريع! فالمقارنة بين الشرين يكون بتحمل أدنى الشرين لدفع أعلاهما هو المشروع، لاسيما إذا علمنا أننا حافظنا فيه على المادة الثانية وتفسيرها بما هو أقوى من المادة (219)، وكذا مواد الهوية وضبط مواد الحريات بما لا يخالف النظام العام للدولة!

الصفحة السابقة الصفحة التالية