شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الرجوع إلى الحق وإنصاف المخالِفين من صفات العلماء الربانيين

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن من صفات العلماء الربانيين وأخلاقهم التي يُعرفون بها: الرجوع إلى الحق والاعتراف بالخطأ، وهذا الخُلُق من شيم الكرام، ومن أخلاق النبلاء، وأولى الناس به أهل العلم والدين الذين هم أخشى الناس لله وأعرفهم به، فإنهم لا يُصرون على خطأ وقعوا فيه، بل يندمون على فعله ويبادرون إلى الاعتراف به، وتصحيحه، قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران:135) ، وقال -عز وجل-: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) (الأعراف:201) .

ولقد صار هذا الخُلُق -فيما يبدو- من الأمور العزيزة التي لا تسمح بها نفوس كثير من الناس -إلا مَن رحم الله منهم-، وقد يصعِّب ذلك انتشار قول القائل ونقل الناس عنه، فتأخذه العزة بالإثم ويصر على التمادي على ما هو فيه، وإلى الله المشتكى!

بل قد يصل الأمر إلى حد الإصرار على الباطل والتمادي فيه، ورمي المخالف ونعته بأبشع النعوت من العمالة والخيانة، والإفتاء بما يخالف الشرع، وإباحة الدم المعصوم، وغير ذلك من التهم!

ولأن وقع ذلك مِن دهماء الناس ومن الرعاع؛ فلعمر الله ما أشده من أمر، وما أخطره!

فكيف إن وقع ممن يُحسب على دعوة إلى الله وأهل علم، وله تلامذة يسمعون عنه ويأخذون منه، ويقلدونه دينهم؟!

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الدِّرْهَمَ يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنَ الرِّبَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَطِيئَةِ مِنْ سِتٍّ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً يَزْنِيهَا الرَّجُلُ، وَأَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ ) (رواه ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، وقال الألباني: صحيح لغيره) ، وقال: ( إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمِنَ الكَبَائِرِ السَّبَّتَانِ بِالسَّبَّةِ ) (رواه أبو داود وابن أبي الدنيا في الصمت، وصححه الألباني بمجموع طرقه) . فكيف بمسبة مَن لم يسب ولم يتكلم في عرض أحد؟!

وهذا الوعيد والتحذير وإن كان في حق عامة الناس من أهل الإسلام، ولكن يزداد الأمر خطرًا إذا كان يتعلق بحق أحد من أهل العلم والدعوة إلى الله، والخير والصلاح؛ لما قد يؤدي ذلك إليه من خسارة الناس لعلمه وأدبه مع حاجتهم إليه.

يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "إن الذي يتصدى لضبط الوقائع من الأقوال والأفعال والرجال يلزمه التحري في النقل، فلا يجزم إلا بما يتحققه، ولا يكتفي بالقول الشائع، ولا سيما إن ترتب على ذلك مفسدة من الطعن في حق أحد من أهل العلم والصلاح، وإن كان في الواقعة أمرٌ فادح سواء كان قولاً أو فعلاً أو موقفًا في حق المستور، فينبغي أن لا يبالغ في إفشائه ويكتفي بالإشارة؛ لئلا يكون وقعت منه فلتة، ولذلك يحتاج المسلم أن يكون عارفًا بمقادير الناس وأحوالهم ومنازلهم، فلا يرفع الوضيع، ولا يضع الرفيع" (ذيل التبر المسبوك) .

ولقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- تحذيرًا شديد اللهجة هذا الإنسان الذي لا يتحرى الصدق فيما يقوله وينطق به، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سمع ) (رواه مسلم في مقدمة صحيحه بسند صحيح) .

يقول العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله-: "من الغلط الفاحش الخطر قبول قول الناس بعضهم ببعض، ثم يبني عليه السامع حبًّا وبغضًا، ومدحًا وذمًّا، فكم حصل بهذا الغلط أمور صار عاقبتها الندامة، وكم أشاع الناس عن الناس أمورًا لا حقائق لها بالكلية، أو لها بعض الحقيقة فنميت بالكذب والزور، وخصوصًا مَن عرفوا بعدم المبالاة بالنقل، أو عرف منهم الهوى، فالواجب على العاقل التثبت والتحرز وعدم التسرع، وبهذا يُعرف دين العبد ورزانته وعقله" (الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة) .

ولقد حفل ميراثنا الإسلامي الذي ورثناه عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- وصحابته وتابعيهم بإحسان -رضي الله عنهم- بأمثلة فريدة على اختلاف العصور والأزمان تبيِّن كيف كان أهل الفضل والعلم يتحلون بهذا الخلق الفاضل ويحرصون عليه.

- عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ ) فَسَلَّمَ وَقَالَ: إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الخَطَّابِ شَيْءٌ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ: ( يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ) ثَلاَثًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: لاَ، فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَمَعَّرُ، حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي ) مَرَّتَيْنِ، فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا (رواه البخاري) .

الصفحة التالية