شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الرجوع إلى الحق وإنصاف المخالِفين من صفات العلماء الربانيين

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة

- وهذا الإمام ابن حزم -رحمه الله- على شدته وحدته على المخالفين -خلافًا لطريقة عامة العلماء- يقول: "ناظرت رجلاً من أصحابنا في مسألة فعلوته فيها لبكوء كان في لسانه -يعني في لسانه عيب-، وانفصل المجلس على أني ظاهر، فلما أتيت منزلي حاك في نفسي منها شيء، فتطلبتها في بعض الكتب فوجدت برهانًا صحيحًا يبيِّن بطلان قولي وصحة قول خصمي، وكان معي أحد أصحابنا ممن شهد ذلك المجلس فعرفته بذلك، ثم رآني قد علَّمتُ على المكان من الكتاب، فقال لي: ما تريد؟ فقلت: أريد حمل هذا الكتاب وعرضه على فلان، وإعلامه بأنه المحق وأني كنت المبطل، وأني راجع إلى قوله. فهجم عليه من ذلك أمر مبهت، وقال لي: وتسمح نفسك بهذا؟! فقلت له: نعم، ولو أمكنني ذلك في وقتي هذا لما أخرته إلى غد".

ثم علّق الإمام ابن حزم -رحمه الله- على هذا الموقف قائلاً: "واعلم أن مثل هذا الفعل يكسبك أجمل الذكر مع تحليك بالإنصاف الذي لا شيء يعدله، ولا يكن غرضك أن توهم نفسك أنك غالب، أو توهم من حضرك ممن يغتر بك ويثق بحكمك أنك غالب، وأنت بالحقيقة مغلوب، فتكون خسيسًا وضيعًا جدًّا، وسخيفا ألبتة، وساقط الهمة!" (التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية) .

- وقال الإمام ابن العربي -رحمه الله- في كتابه أحكام القرآن: "أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة: وصلت الفسطاط مرة، فجئت مجلس الشيخ أبي الفضل الجوهري، وحضرت كلامه على الناس، فكان مما قال في أول مجلس جلست إليه: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- طلق وظاهر وآلى، فلما خرج تبعته حتى بلغت معه إلى منزله في جماعة، فجلس معنا في الدهليز، وعرَّفهم أمري، فإنه رأى إشارة الغربة ولم يَعرف الشخص قبل ذلك في الواردين عليه، فلما انفض عنه أكثرهم قال لي: أراك غريبًا، هل لك من كلام؟ قلت: نعم. قال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه. فقاموا وبقيت وحدي معه. فقلت له: حضرتُ المجلس اليوم متبركًا بك، وسمعتك تقول: آلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصدقت، وطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصدقت.

وقلتَ: وظاهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا لم يكن، ولا يصح أن يكون؛ لأن الظهار منكرٌ من القول وزورٌ؛ وذلك لا يجوز أن يقع من النبي -صلى الله عليه وسلم-، فضمني إلى نفسه وقبَّل رأسي، وقال لي: أنا تائب من ذلك، جزاك الله عني من معلم خيرًا، ثم انقلبت عنه، وبكَّرت إلى مجلسه في اليوم الثاني، فألفيته قد سبقني إلى الجامع، وجلس على المنبر، فلما دخلت من باب الجامع ورآني نادى بأعلى صوته: مرحبًا بمعلمي؛ أفسحوا لمعلمي، فتطاولت الأعناق إليَّ، وحدقت الأبصار نحوي، وتعرفني يا أبا بكر -يشير إلى عظيم حيائه، فإنه كان إذا سلَّم عليه أحد أو فاجأه؛ خجِل لعظيم حيائه، واحمر حتى كأن وجهه طلي بجلنار- قال: وتبادر الناس إليَّ يرفعونني على الأيدي ويتدافعوني حتى بلغت المنبر، وأنا لعظم الحياء لا أعرف في أي بقعة أنا من الأرض، والجامع غاص بأهله، وأسال الحياء بدني عرقًا، وأقبل الشيخ على الخلق، فقال لهم: أنا معلمكم، وهذا معلمي؛ لما كان بالأمس قلت لكم: آلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وطلق، وظاهر؛ فما كان أحد منكم فقه عني ولا رد عليَّ، فاتبعني إلى منزلي، وقال لي كذا وكذا؛ وأعاد ما جرى بيني وبينه، وأنا تائب عن قولي بالأمس، وراجع عنه إلى الحق؛ فمن سمعه ممن حضر فلا يعول عليه، ومن غاب فليبلغه من حضر؛ فجزاه الله خيرا، وجعل يحفل في الدعاء، والخلق يؤمِّنون".

ثم علـَّق الإمام ابن العربي -رحمه الله- على هذا الموقف قائلاً: "فانظروا -رحمكم الله- إلى هذا الدين المتين، والاعتراف بالعلم لأهله على رءوس الملأ من رجل ظهرت رياسته، واشتهرت نفاسته، لغريب مجهول العين لا يعرف مَن ولا مِن أين، فاقتدوا به ترشدوا" اهـ .

فأين أهل زماننا -إلا مِن رحم الله- من هذه الأخلاق وتلكم الفضائل؟! صار أكثر ما نراه ونسمعه الجرح والتجريح.

بل قد صار بعض الكبار من أهل العلم يقع فيما يتنزه عنه بعض صغار طلبة العلم، ويسمع ويصدق عجائب الأخبار والروايات التي يفوح منها الكذب والزور، ويشيع هذا الكذب وينشره في حق أهل العلم والدعوة إلى الله -تعالى-، ويصر عليه دون بينة! وهذا حتى وإن كان صحيحًا حاصلاً: أين حق المسلم على أخيه في نصيحته والستر عليه، وأين ضوابط الشريعة في الإنكار ومراعاة المصالح والمفاسد؟! لماذا تهدر كل هذه الضوابط في حق البعض "على وجه الخصوص" وتراعى ربما حتى مع الفساق أنفسهم؟!

وإن مما لا ينازع فيه أحد الآن أن مِن أكثر الرموز الإسلامية -إن لم يكن أكثرهم بالفعل- تعرضًا لحملات التشويه الممنهجة والقصف المتواصل عبر كافة الدوائر من الداخل والخارج - هو فضيلة الشيخ د." ياسر برهامي" -(ولا يخفى على أحد أن المراد ليس فقط شخص الشيخ ياسر ، وإنما هي بداية فحسب بشخصنة الدعوة السلفية حتى يسهل هدمها وإزالة كيانها بالكلية بعد ذلك، وإنما الشيخ " ياسر " الباب ومَن نَقَـر على الباب فقد أراد الدخول، تمامًا كما سعت جماعة الإخوان لتجعل بديلاً من بعض الدعاة يقوم على أنقاض الدعوة السلفية، يعمل تحت مظلتها الفكرية ورؤيتها السياسية فلم يمكِّنها الله من ذلك)-.

- حتى وصل الحال إلى اتهام الشيخ بالعمالة لأمن الدولة! فيا لله العجب! عميل لأمن الدولة وهم يعدونه ويسمونه: "أخطر رجل في مصر وضد مصر!" وكذبوا -(نشرت روزا اليوسف الناطقة باسم نظام مبارك البوليسي ذلك كتوطئة وتمهيد كالمعتاد لضربة أمنية جديدة قبل تدخل أمن الدولة بتنفيذ المطلوب، وهذا بالتزامن مع دعوات تحريضية من بعض الدعاة المنحرفين عن منهج أهل السنة والجماعة يحرضون فيها النظام على قتل الشيخ ياسر والتخلص منه، وأنه حلال الدم!)-، عميل لأمن الدولة وهو يسجن ويعتقل مرارًا غير التضييق والحصار المستمر المضروب حوله وعليه... ! فأين يذهبون؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية