شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وخالق الناس بخلق حسن

عصام حسنين • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) .

وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث حقين: حق الله -تعالى-: ( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا )، وحق الناس: ( وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ) أي: معاملتهم بالأخلاق الحسنة الطيبة التي جاء بها الإسلام، مِن: الصدق، والعفو، والقول الحسن، وبذل الخير، واحتمال الأذى، والوجه الطلق، وترك الأخلاق المذمومة مِن: الغش، والغدر والخيانة، والغيبة والنميمة، وغيرها... كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْه ) (رواه مسلم) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه الألباني) ، وقال: ( إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) .

وبهذه الأخلاق الحسنة فُتحت القلوب في شرق آسيا، ووسط أفريقيا وجنوبها، وما زالت تفتح في أمريكا والغرب، لأن النفوس جُبلت على حب من أحسن إليها، وما زالت هذه النماذج الطيبة الملتزمة بالإسلام حقًّا وبأخلاقه وآدابه السامية يفتح الله بها قلوب مَن شاء من عباده، فالتاجر الصدوق أينما حلَّ يعامل أهلها بالصدق والأمانة فيبهرهم بعد أن تألفهم بما يفتقدونه من هذه الأخلاق! فيسألونه مَن هو؟ وما دينه؟ وهكذا ينتشر دين الله -عز وجل- والحمد لله.

وهناك نماذج سيئة تصد عن سبيل الله بأخلاقها السيئة من الغش في المعاملة، وأكل أموال الناس بالباطل فيقول الناس: لو كان دينه حقًّا ما غشنا، ولا أكل أموالنا! فكان سببًا لصده عن دين الله الحق، وقد قال الله -تعالى- محذرًا: ( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النحل:94) . قال ابن زيد -رحمه الله- في قوله: ( تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) (النحل:92) : "يغر بها، يعطيه العهد، يؤمنه وينزله من مأمنه، فتزل قدمه وهو في مأمن، ثم يعود يريد الغدر". و( دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) قال قتادة: "خيانة وغدرًا".

قال ابن كثير -رحمه الله-: "لأن الكافر إذا رأى المؤمن قد عاهده ثم غدر به لم يبقَ له وثوق بالدين، فانصدَّ بسببه عن الدخول في الإسلام".

وهل يمكن أن يحدث تمكين لقوم سيئي الأخلاق؟ والجواب قوله -تعالى-: ( إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (الأعراف:128) ، وقوله -تعالى-: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (المائدة:54-55) .

ومن نظر في هلاك الأمم الخالية التي كان لها الصولة والجولة يرى أنها هلكت لما ضاعت أخلاقها، فمن أراد تمكينًا فعليه بتحقيق شرط الإيمان والعمل الصالح كما قال -تعالى-: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (النور:55) ، ومن العمل الصالح: الأخلاق الطيبة التي مدح الله -تعالى- بها رسوله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (القلم:4) .

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ ) (رواه أحمد ورواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ: الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ فَمَا المُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: ( المُتَكَبِّرُونَ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

وللأسف آفة هذا الوقت خوض اللسان في عرض الناس بدون حق أو ضوابط! مع أن الله يقول: ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (ق:18) ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لمعاذ -رضي الله عنه-: ( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية