شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وخالق الناس بخلق حسن

عصام حسنين • التزكية

ومن حصاد اللسان المر الذي صار فاكهة في ألسنة الكثير اليوم: الغيبة والنميمة، ورمي الناس بالباطل، وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- أنه رأي ليلة الإسراء والمعراج أقوامًا لهم أظفار من نحاس يخمشون بها صدورهم، فسأل عنهم جبريل فقال: ( هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) . وهذا يدل على أنها من الكبائر!

والواجب على المسلم إذا سمع غِيبة أخيه أن يرده لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبَةِ كانَ حقا على الله أن يعتقه مِنَ النَّارِ ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني) .

ويجب على المسلم ألا يخشى في الحق لومة لائم، وأن يجعل رضا الله نصب عينيه، وأن يحذر إرضاءهم بمعصية الله أو مداهنة أحد من خلق الله من أجل دنيا أو جاه! وأن يقول الحق بدليله متحليًا بأخلاق وآداب الإسلام، ولا يغضب لنفسه، وإنما لله، وهذا يتطلب منا أن نتصدق بعرضنا على الناس؛ فلا نبال بمن مدح أو ذم، ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير أسوة فقد كان يؤذَى فيقول: ( رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ) (متفق عليه) .

وكذا هو دأب العلماء العاملين -رحمهم الله-، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- الذي كان لا يبالي بأحد في الحق، وبسبب ذلك ابتلي وامتحن مرات، ومن كرم أخلاقه وطيب معدنه أنه جعل كل من آذاه في حل إلا من كان عدوًّا لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-!

وبعد خروجه من محبسه بالقاهرة -وقد مكث فيه ثمانية عشر شهرًا- كتب رسالة إلى أهل دمشق جاء فيها: "فتعلمون رضي الله عنكم أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً، لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال، والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو لرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مأجور مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين.

وتعلمون رضي الله عنكم أن ما دون هذه القضية من الحوادث يقع فيها من اجتهاد الآراء واختلاف الأهواء، وتنوع أحوال أهل الإيمان وما لابد منه من نزغات الشيطان ما لا يتصور أن يعرى عنه نوع الإنسان، وقد قال -تعالى-: ( وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً . لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) (الأحزاب:72-73) ، بل أنا أقول ما هو أبلغ من ذلك تنبيهًا بالأدنى على الأعلى، وبالأقصى على الأدنى، فأقول: تعلمون كثرة ما وقع في هذه القضية من الأكاذيب المفتراة والأغاليط المظنونة والأهواء الفاسدة، وأن ذلك أمر يجل عن الوصف، وكل ما قيل من كذب وزور فهو في حقنا خير ونعمة، قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النور:11) .

وقد أظهر الله من نور الحق وبرهانه ما رد به إفك الكاذب وبهتانه، فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه عليَّ أو ظلمه وعدوانه، فإني قد أحللت كل مسلم، وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد بكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي! وأما ما يتعلق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله عليهم، وإلا فحكم الله نافذ فيهم.

فلو كان الرجل مشكورًا على سوء عمله لكنت أشكر كل مَن كان سببًا في هذه القضية لما يترتب عليه من خير الدنيا والآخرة، لكن الله هو المشكور على حسن نعمه وآلائه وأياديه التي لا يقضي للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم، وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم.

وأنتم تعلمون هذا من خُلُقي، والأمر أزيد مما كان وأوكد، لكن حقوق الناس بعضهم مع بعض وحقوق الله عليهم هم فيها تحت حكم الله.

أنتم تعلمون أن الصديق الأكبر في قضية الإفك التي أنزل الله فيها القرآن حلف لا يصل مِسْطح بن أُثاثة؛ لأنه كان من الخائضين في الإفك؛ فأنزل الله -تعالى-: ( وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (النور:22) ، فلما نزلت قال أبو بكر: بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي، فأعاد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق.

ومع ما ذكر من العفو والإحسان وأمثاله وأضعافه، والجهاد على ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة أمر لابد منه ( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (المائدة:54-56) ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا" (مجموع الفتاوى) .

نسأل الله المعونة على طاعته، والصبر والثبات.

الصفحة السابقة