شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

موقف الإسلاميين من "المادة الثانية" في الدستور المصري بعد ثورة "25 يناير"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد حرصتْ "الدعوة السلفية" على مدار تاريخها على تقديم النصيحة الصادقة لكل المسلمين، وعلى رأسهم: جماعات الدعوة إلى الله، ولم تلجأ في يوم ما إلى المزايدة على أحد أو الدخول في النوايا، وإن كانت توجِّه النصح فيما يتعلق بالأعمال الظاهرة، وفي ظل اتهامات متتالية مِن رموز إسلامية تتهم "الدعوة السلفية" و"حزب النور" بالتفريط في مواد الهوية في دستور (2013م)، وعلى رأسها: المادة (219) المفسِّرة لمبادئ الشريعة الإسلامية الواردة في المادة الثانية!

وهذا الكلام ينطوي على مغايرة للواقع، ثم هو يَصِم أصحابه بالتناقض؛ حيث إن عامتهم ممن قَبِل بالمادة الثانية على حالها، بل قَبِل بما هو أقل منها، بل بعضهم أنكر على الدعوة السلفية ما أسماه حينئذٍ بافتعال الأزمات، وتعطيل مسار الحريات!

وهذا عرض موجز لهذه القضية، وعرض لوضع المادة الثانية في تعديلات (2013م)؛ ليتبين لك الحق في المسألة -إن شاء الله-:

أولاً: تحرشات التيار المدني بالمادة الثانية بعد الثورة:

تعرضت "المادة الثانية" لهجوم شرس من التيار المدني في أعقاب تنحي "مبارك"، وتمثـَّل هذا في فاعليات كثيرة، منها:

- في ظل الإجراءات التي اتخذها "مبارك" لمحاولة الخروج مِن الأزمة كلَّف لجنة لـ"تعديل الدستور" ضمت في عضويتها الدكتور "يحيى الجمل" الذي اعترف لاحقًا بأنه قدَّم لهذه اللجنة اقتراحًا بتعديل المادة الثانية مِن الدستور؛ مما يعني أن الخطر لم يكن فقط على الأبواب، بل كان قاب قوسين أو أدنى مِن أن يكون أمرًا واقعًا.

- أسس "ساويرس" لجنة الحكما، وطالب صراحة بإلغاء المادة الثانية من الدستور!

- قدَّم "أقباط المهجر" طلبًا صريحًا للمجلس العسكري بإلغاء المادة لثانية مِن الدستور!

- ترددت "الكنيسة الأرثوذكسية" في الأمر؛ فأعلنت مطالبتها بعدم المساس بالمادة الثانية، ثم عادت ودعت الكنائس الثلاث لمناقشة الأمر، وانتهى الاجتماع بالاتفاق على تأجيل المطالبة بإلغاء المادة الثانية لحين الكلام على إصدار دستور كامل جديد "كان هذا قبيل صدور تعديلات المستشار طارق البشري".

- قام "الأهرام الإلكتروني" بعمل استفتاء على بقاء المادة الثانية مِن الدستور.

- تصريح "نجيب جبرائيل" أن الثورة طالبت بدولة مدنية، ومِن ثمَّ فإن إلغاء المادة الثانية في منطقه أمر مفروغ منه تحتمه مشروعية الثورة!

- خرج علينا الدكتور "يحيى الجمل" عشية اختياره نائبًا لرئيس مجلس الوزراء ليحكي لنا عن اقتراحه الذي قدَّمه للجنة التي شكـَّلها الرئيس السابق وحلها المجلس العسكري، والذي تضمن تعديل المادة الثانية مِن الدستور بحذف "ال" التعريف منها؛ مع علمه أنه وفق تفسير المحكمة الدستورية العليا فإن المادة بدون "ال" عديمة الفائدة!

ولم يكتفِ الدكتور "يحيى الجمل" بذلك! بل سَخَر مِن الفقرة الأولى مِن المادة الثانية التي تنص على أن: "دين الدولة هو الإسلام"!

ثانيًا: حملة "الدعوة السلفية" للدفاع عن المادة الثانية، وموقف الإسلاميين منها:

في ظل هذا الهجوم من التيار المدني على المادة الثانية نظـَّمتْ "الدعوة السلفية" مؤتمرات للدفاع عن المادة الثانية، ولكن معظم الإسلاميين كان لهم موقف سلبي، بل معترض على إثارة هذا الموضوع.

وممن تكلم في ذلك:

- الدكتور "صفوت حجازي" الذي قال في حوار له على قناة المحور قبل استفتاء (19 مارس) بشهر تقريبًا: "إن مَن يتكلم عن المادة الثانية من الدستور الآن فهو مثير للفتنة سواء أكان مسلمًا أم مسيحيًّا!" (وتضمن الحوار الكثير من الانحرافات المعهودة، مثل: الترحيب بقيام حزب مسيحي وشيوعي، وأن مَن فاز منهما يحكم إلى آخر ذلك؛ مما يعني عمليًّا إهداره هو في حديثه لأي أثر للمادة الثانية).

- كتب الأستاذ "محمود سلطان" في جريدة المصريون بتاريخ: (27-3-2011م) بعنوان: "المادة الثانية مجددًا" أثنى فيه على حوار "صفوت حجازي" المذكور، ودعَّم هذا القول! وقد رد عليه كاتب هذه السطور في مقالة بعنوان: " عفوًا أستاذ محمود... لا تسوِّ بيْن الضحية والجلاد! ".

وقد أنكر علينا معظم قادة العمل الإسلامي، وأرسلوا إلينا: أن تكريس دولة الحريات أهم بكثير مِن إثارة قضية "المادة الثانية" التي لا تتعرض لأي خطر "بحسب قول معظمهم"؛ رغم ما ذكرنا مِن حملة التيار المدني ضدها!

استفتاء (19 مارس):

بعد تشكيل لجنة المستشار "طارق البشري" وعدم إدراجها للمادة الثانية على قائمة التعديلات كشَّر التيار المدني عن أنيابه وحاول إسقاط التعديلات الدستورية، البعض لأنه كان يريد دستورًا جديدًا، والمعظم كان يرفض التعديلات لأنها لم تتضمن "المادة الثانية"؛ مما جعل المادة الثانية الشاهد الغائب في الاستفتاء، وانحاز عامة الإسلاميين إلى "نعم"، والتي تقررت بأغلبية كبيرة.

دلالات استفتاء (19 مارس):

كان موقف معظم التيار الإسلامي هو التصويت بـ"نعم" على التعديلات الدستورية، ولكن الملاحظة الجديرة بالانتباه أنه في الوقت الذي جاهر المطالبون برفض التعديلات الدستورية بأن المبرر الأساسي لرفضها هو تجاهلها لإلغاء المادة الثانية أو تعديلها تعديلاً يفرغها تمامًا من معناها، فإن معظم الكيانات المنظمة في التيار الإسلامي أيدت التعديلات تحت شعار: "الاستقرار"، وما شابهه.

غير أنه يجب هنا أن نتوقف عند ظاهرة غاية في الأهمية، وهي: أن "الدعوة السلفية" هي الكيان المنظم الوحيد الذي تحدث عن أن الايجابية الأساسية لهذه التعديلات هي: أنها لم تستجب لدعاوى تعديل المادة الثانية أو إلغائها، وشاركهم في ذلك بعض الدعاة الفرديين المنتمين أيضًا إلى التيار الإسلامي.

وبدون دخول في النوايا بالاتهامات الباطلة نستطيع أن نقول: إن موقف "جماعة الإخوان" و"الجماعة الإسلامية" كان يرى أن تقرير بعض الحريات أهم بكثير من الدفاع عن المادة الثانية، بل إنهم وجهوا لومًا -وإن لم يكن حادًا- لمن اهتم بها!

الصفحة التالية