موقف الإسلاميين من "المادة الثانية" في الدستور المصري بعد ثورة "25 يناير"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وبوسعك أن تلتمس لهم الأعذار أو تحاول أن تتفهم طريقة موازناتهم للأمور، ولكن الذي يصعب فهمه أن يكون هؤلاء هم مَن يوجِّه إلى "الدعوة السلفية" تهمة التهاون في شأن الشريعة في تعديلات الدستور؛ بزعم الاكتفاء بـ"المادة الثانية" رغم أنهم لم يقفوا وقفة حاسمة مع هذه المادة ذاتها يوم أن كانت مهددة! بالإضافة إلى عدم صحة الادعاء بأن التعديلات لم تتضمن في شأن الشريعة إلا "المادة الثانية".
حيل ما بعد تعديلات (19 مارس):
قدَّمنا أن معظم التيارات لم تستشعر الخطر على "المادة الثانية" قبل استفتاء (19 مارس)، وأنهم عادوا باللوم على الدعوة السلفية في هذه القضية، ولكن الأحداث التي تلت (19 مارس) أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن الطرف الرافض للمادة مصر على رفضه، ولديه العديد من الحلول والحيل في هذا الصدد.
وقد تمثَّلتْ هذه الجهود في الاتجاهات الآتية:
1- فرض وثيقة مبادئ فوق دستورية للدستور القادم تتضمن صيغة للمادة الثانية تفرغها تمامًا من معناها!
2- محاولة الحصول على موافقة "الأزهر" على بعض هذه الأفكار، وهو ما عبَّرت عنه "وثيقة الأزهر".
3- تسويق تفسيرات لمبادئ الشريعة تفرغها من معناها.
وثيقة د."علي السلمي":
وقد رفضتْ القوى الإسلامية هذه الوثيقة؛ لما تمثله من اعتداء على خارطة الطريق، بينما كان تركيز "الدعوة السلفية" على أنها تمثِّل اعتداءً على "المادة الثانية" من الدستور.
وتم تنظيم مليونية (29-7)؛ لرفض وثيقة د."علي السلمي"، وكانت من أنجح المليونيات، وقامتْ "الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح" بدور في التنسيق بيْن جهود الإسلاميين في هذه المليونية، ومِن ثَمَّ بدأتْ بعدها تغيِّر خطتها من إيجاد التيار السلفي العام إلى إيجاد التيار الإسلامي العام، وهو ما أدى إلى تبنيها لجميع آراء الإخوان من الناحية السياسية؛ لكون معظم أعضائها: إما من الإخوان، وإما ممن يؤمنون بأن الإخوان هم رجال المرحلة!
وأظن أن الإخوان لو وجدوا مِن الإسلاميين نصحًا حقيقيًّا، ومنعًا من التجاوز؛ لما وصل بنا الحال إلى ما وصلنا إليه.
"وثيقة الأزهر":
لم ييأس رافضو "المادة الثانية" وإنما لجأوا للأزهر ذاته، وقدَّموا بالتعاون معه وثيقة عُرفت باسم: "وثيقة الأزهر" تضمنتْ صياغة جديدة للمادة الثانية، لتكون: "المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، وقد نُوقشتْ هذه الوثيقة في حضور ممثلين عن كافة الأحزاب والقوى الإسلامية.
- ومثَّل فيها الإخوان وحزب الحرية والعدالة:
1- د." محمد مرسي".
2- د."عصام العريان".
3- د."عبد الرحمن البر".
- ومثَّل الجماعة الإسلامية:
الأستاذ "عصام دربالة".
- ومثـَّل كاتب هذه السطور "الدعوة السلفية".
وفي هذا الاجتماع أثنى جميع ممثلي الإخوان على هذه الوثيقة ثناءً واسعًا (ظهر تسجيل مرئي فيما بعد للدكتور "بديع" يستعرض أمام مجلس شورى الإخوان أن قرار الجماعة: رفض وثيقة السلمي، وقبول وثيقة الأزهر).
وقد اعترضتُ بشدة على هذه الصياغة الجديدة للمادة الثانية، وحين جاءت ورقة التوقيع أثبتُّ جملة اعتراضات، كان مِن أهمها ما يتعلق بهذه الصياغة الجديدة للمادة الثانية، وقد شاركني في هذا الاعتراض الأستاذ "عصام دربالة"؛ إلا أنه في نهاية الاجتماع وقـَّع على الوثيقة، بينما أثبتت أنا في محضر الاجتماع عدة اعتراضات، وبيَّنتها "الدعوة السلفية" فيما بعد في عدة بيانات صحفية، وشرحت هذه الاعتراضات في عدة لقاءات تلفزيونية.
وقد دافع "الأزهر" فيما بعد عندما تشكلت الجمعية التأسيسية عن بقاء "المادة الثانية" على ما هي عليه، بل ساهم بصورة أو بأخرى في اقتراح المادة (219).
والشاهد: تذكير كل الأطراف بطريقة تفكيره ونظرته إلى "المادة الثانية" وما أضيف إليها، مما عُرف فيما بعد بـ"مواد الهوية" في الدستور.
تفسير "مبادئ الشريعة" بما يفرِّغ المادة من معناها:
لابد وأن نعترف أن الثقافة الدستورية للمشتغلين بالدعوة إلى الله لم تكن بالقدر الكافي قبل "ثورة يناير"؛ نظرًا لجمود الدستور وعدم الاهتمام الكافي بتفسيراته، أو على الأقل الحرص على مطالعة ما يتعلق به من أحكام وتفسيرات.
وقد كان المتداول بيْن الإسلاميين أن موقف المحكمة الدستورية من المادة الثانية يتمثل في:
1- قصر تطبيقها على ما بعد تعديل المادة (سنة 80)، كما ورد في حكم لها (سنة 85).
2- أما في القوانين التي صدرت بعد تعديل الدستور: فقضاء المحكمة على إبطال أي قانون يخالف حكمًا قطعي الثبوت والدلالة أو يخرج عن قواعد الاجتهاد المنضبطة كما في عدة أحكام لها، أبرزها: في (عام 96) .
ومِن هنا: تبنتْ "الدعوة السلفية" المطالبة بتفعيل "المادة الثانية"؛ لا سيما فيما يتعلق بالقوانين القديمة التي امتنعت المحكمة الدستورية من إبطالها، وقد كتب صاحب هذه السطور في ذلك تحت عنوان: " المادة الثانية من الدستور بين التفعيل والتعطيل ".
إلا أن رافضي المادة الثانية كانوا قد لجأوا إلى آخر أوراقهم، وهي: "التفسير"؛ فَرَوَّجوا أن "المادة الثانية" لا تُلزِم المشرع إلا بقطعي الثبوت والدلالة فقط، وأن ما عداه من أحكام الشريعة يجوز للقوانين أن تخالفه ناسبين هذا إلى حكم المحكمة الدستورية (عام 96)! بل إنهم بدأوا في ترويج تفسير جديد لمبادئ الشريعة، وهي أنها: "الحرية - والعدالة - والمساواة!"؛ مما يفرغها تمامًا من معناها.
ولم يكن هذا الأمر بغريب على هؤلاء، ولكن الصدمة كانت في التيار الإسلامي ذاته الذي قَبِل بهذه التفسيرات أو بقريب منها مما كان سيفرغها تمامًا مِن معناها!
وهذا بيان لبعض هذه المواقف:
معنى المبادئ عند "جماعة الإخوان":