موقف الإسلاميين من "المادة الثانية" في الدستور المصري بعد ثورة "25 يناير"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
"فالفريق العالماني كان يأمل أن يأتي مشروع الدستور الجديد فيما يخص الشريعة وأحكامها والتأكيد على الهوية الإسلامية للبلاد مطابقًا للدستور السابق بحيث تبقى مادة الشريعة جسدًا بلا روح، وكلمات فارغة بدون مضمون حقيقي ينعكس على أرض الواقع، وخاصة في إصلاح المنظومة التشريعية للبلاد بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية؛ لذا جاء تفسير المادة الثانية في مادة مستقلة صادمًا لهم حيث كانوا يأملون أن يبقى الحوار محصورًا في الحديث العائم عن المبادئ العامة للشريعة، مثل: العدل، والحرية، والمساواة - إلخ، ولكن هذا التفسير يعني الإصرار على تفعيل الشريعة الإسلامية في المجتمع المصري، وهو الأمر الذي يرفضه العالمانيون اتساقًا مع رؤيتهم الرامية إلى فصل الدين عن الحياة، مع اختلاف بينهم في درجات الفصل المشار إليه".
ومن الجدير بالذكر: أن الأستاذ "سمير" عاد في كتاباته الأخيرة ليؤكد أن "المادة الثانية" كانت كافية، وأنها لم تكن محل خلاف أصلاً، وأن "الدعوة السلفية" هي مَن أحدثت الأزمة (يعني أن العالمانيين لم يكونوا يريدون الانتقاص من المادة الثانية، ولكن لم تظهر عليهم العالمانية إلا بشان عزل د.مرسي!)... وهو كلام ينقض بعضه بعضًا.
موقف الإسلاميين من المادة (219):
بعد جولة من المفاوضات والمناظرات والمواجهات داخل الجمعية وخارجها تم التوافق على إضافة المادة (219) المفسِّرة لمبادئ الشريعة في مفاجأة غير متوقعة بالنسبة لتيار الجماعة الإسلامية، وقد ذكرنا مواقفه من "وثيقة الأزهر" والتي كانت في ذلك الوقت تتحدث عن "المبادئ الكلية"، ومِن وصف تفسير (96) بالرائع، ومِن عدم تضامنها معنا في هذا الموضوع لا داخل اللجنة ولا خارجها!
إلا أن الجميع قد فوجئ بالمهندس "عاصم عبد الماجد" وبعض أنصار الشيخ "حازم" ينظمون مليونية "الشريعة"؛ رفضًا لمشروع دستور (2012م)، ويطالبون بأن تكون نص المادة الثانية: "أحكام الشريعة الإسلامية"، وأن تعتبر مادة فوق دستورية، وألقى المهندس "عاصم عبد الماجد" خطبًا عصماء في خيانة الإخوان والسلفيين للشريعة بهذا الدستور، ثم انتهى الأمر بموافقة الجماعة الإسلامية على مشروع الدستور دون أن تنقد موقف المهندس "عاصم" أو تبيِّن لنا: هل هي تعديلات مقبولة شرعًا أم أنها تمثِّل خيانة لله ورسوله؟! وإذا كانت خيانة فكيف قبلوا ما هو دونها بكثير قبل ذلك، ثم كيف قبلوها ذاتها؟!
واستمرارًا لموقف الإخوان من أن المادة الثانية كافية ولو مع تفسير المبادئ بقطعي الثبوت والدلالة نَشر موقع البحيرة أون لاين مقالاً بعنوان: "الإخوان المسلمون والدعوة السلفية... هل تخلوا عن الشريعة؟" يعلِّق فيه على مليونية المهندس "عاصم عبد الماجد"، جاء فيه: "الموضوع يبدأ من دستور (71)، فهذه المادة موجودة بهذا الدستور، وحينما أرادوا أن يطبقوها أرسلوا للمحكمة الدستورية العليا لكي تفسر اللفظ المبهم بهذه المادة وهو لفظ المبادئ، فأجابت المحكمة الدستورية أن المبادئ هي الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة. الجمعية التأسيسية لكي تخرج من هذا المأزق ولئلا ترسل المادة مرة أخرى للدستورية العليا وضعوا مادة مفسرة لهذه المادة تنص على: (مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة)، وبهذه المادة من وجهة نظري حسم الجدال القائم بين التيارات الإسلامية".
ثم قال: "فلمَ كل هذا التخوف؟! أنا من وجهة نظري أنه حتى وإن بقيت المادة كما هي ولم يوضع لها تفسير، وذهبت للدستورية وفسرتها كما فسرتها مِن قبْل؛ فالأمر محسوم... الأمر يا سادة في المقام الأول يخص المشرِّع "الذي يضع القانون"، إن كان المشرع يريد تطبيق الشريعة سيسن قانونًا يحتوي علي هذه الأحكام، والدستور لا يجب أن يكون مفصلاً، بل هو إطار عام يجب أن تكون المواد قليلة الألفاظ والتفاصيل تكون في القانون... والأهم يا سادة ليس معركة الدستور هذه، وإنما هو مجلس الشعب القادم الذي يشرِّع القوانين!".
ثم قال: "والإطار الثاني: أنهم يرفضون مادة واحدة فقط في الدستور، وهي استمرار الرئيس الحالي حتى انتهاء ولايته... أفيقوا قبل أن تجدوا أنفسكم مرفوضين من الأغلبية الصامتة".
كلمة في نهاية المطاف:
الحاصل أن مَن أبدى موافقة على عبارة "المبادئ الكلية"، ومِن قَبِل أن تكون المبادئ هي "قطعي الثبوت و الدلالة"، أو مَن كانت أسمى أمانيه أن يكون تعريفها هو: "الكليات"، أو مَن كان يرى أن حكم المحكمة الدستورية سنة (96) حكمًا رائعًا - كيف يمكن أن يرى أن ضم حكم (85) إلى حكم (96) إلى حكم آخر يُلزِم بالإجماع؛ هو نوع من التنازل والتراجع و... ؟!
في الواقع: إن موقف هذه التيارات من "المادة الثانية"، والمعارك التي تركوا "الدعوة السلفية" تخوضها منفردة دفاعًا عنها؛ ابتداءً ثم تثبيتًا لتفسير منضبط لها ثانيًا، وفي كل مرة يكون الطعن واللمز والتثبيط؛ حتى إذا حصل المقصود -بفضل الله وكرمه- قالوا ما حاصله: "أتعبتم أنفسكم في غير متعب!".
كل هذا... و"الدعوة السلفية" تحترم اجتهاداتهم، ولم تطعن يومًا في أنهم باعوا الدين أو نحو ذلك! فلما جاءت "الدعوة السلفية" في تعديلات الدستور ورأتْ أن تقييد المحكمة بمجموع أحكام المحكمة الدستورية يغني عن المادة (219) فوجئنا بمن سبق منه كل هذه المواقف يقف موقفًا لم يقفه يوم أن كان في المشهد ورأى أن الأمر لا يستحق كل هذا العناء!
وأظن أن هذا القدر كافٍ لكي يتدبر هؤلاء الإخوة مواقفهم من الطعن في "الدعوة السلفية".
وأما عن رؤيتنا نحن لهذه الأحكام، ولماذا قبلناها؟
فهذا موضوع مقالة أخرى -بإذن الله تعالى-.