شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

موقف الإسلاميين من "المادة الثانية" في الدستور المصري بعد ثورة "25 يناير"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

في تاريخ (26-3-2011م) نشر موقع "إخوان أون لاين" مقالاً بعنوان: "المادة الثانية من الدستور بين الإلهاء والإلهام" قال فيه صاحبه كالمعتذر لخوضه في الكلام على المادة الثانية -وكان الأولى به أن يعتذر عن دفاعه عنها إلى ما بعد استفتاء 19 مارس- فقال: "ترددت كثيرًا في الكتابة عن المادة الثانية في الوقت الذي تشهد فيه مصر أعظم ثورة في تاريخها على الإطلاق، بل في تاريخ العالم أجمع، غير أنني حسمت ترددي حين وجدت الجدل حول المادة الثانية يتصاعد بشكل عبثي يبدو أنه يسعى إلى تحويلها إلى مصدر (إلهاء) لأبناء الوطن الذين توحدت دماؤهم في سبيل الدفاع عنه وحمايته على مدى التاريخ بصفة عامة، وأثناء هذه الثورة بصفة خاصة، بدلاً من أن تكون هذه المادة مصدر (إلهام) لهم".

ثم قال مبيِّنًا معنى مبادئ الشريعة عنده:

"ومبادئ الشريعة الإسلامية: أي كلياتها التي هي ليست محل خلاف بين الفقهاء، كما عرَّفها العلامة عبد الرزاق السنهوري، أول مَن وضع هذا المفهوم في النظام القانوني المصري، وبالتحديد في القانون المدني الذي صدر سنة (1947م)، والذي لا زال مطبقًا في مصر حتى الآن، وأنا أختاره هنا كتعريف أدق من ذلك الذي وضعته المحكمة الدستورية العليا في أحكامها بأنها الأحكام الشرعية "قطعية الثبوت والدلالة"، باعتبار أن مِن الشريعة ما يكون مستمدًا من طريق الاستقراء التام من طرائف نصوص الشريعة، مثل: (مقاصد الشريعة الإسلامية)".

والملاحظ هنا: أنه نَسبَ إلى المحكمة الدستورية أنها قصرت المبادئ على الأحكام ظنية الثبوت والدلالة، ثم اقترح بديلاً عنها: أن المبادئ هي (كليات الشريعة)، وكلاهما أفسد مِن الآخر!

ومن المعلوم: أنه مؤخرًا تم تداول مقطع مرئي لاجتماع مجلس شورى الإخوان يبدو أنه كان في فترة ما بعد الانتخابات البرلمانية وقبل الدستور، ومما دار فيه مطالبة الأستاذ " محمد حسين" بتغيير عبارة "مبادئ الشريعة الإسلامية" إلى "أحكام الشريعة الإسلامية" معللاً هذا بأن المبادئ غير منضبطة بينما الأحكام منضبطة، فرد عليه الدكتور " محمد مرسي" بأن المبادئ هي المنضبطة، ولها تعريف محدد هو أنها: "الأحكام قطعية الثبوت والدلالة" مختتمًا كلامه بقوله: "وهذا ما نريده!".

ومسألة أن الملزِم من الشريعة هو قطعي الثبوت والدلالة، وأن ما عداه يقبل فيه الخلاف (هكذا بإطلاق) هو مِن الأمور المستقرة في فكر "جماعة الإخوان".

كما عبَّر عن ذلك الأستاذ "جمعة أمين" في مقال له بعنوان: "خلاف في ظلال الحب في الله" -نشرته بوابة الحرية والعدالة في عام (2013م)، ولكنها تعبِّر بلا شك عن فكر مستقر- قال فيه: "ولأجل تضييق هُوة الخلاف بين الأفراد قرر الشرع أن هناك دوائر أو مجالات لا يجوز الاختلاف حولها؛ لأنها من ثوابت هذا الدين ومرتكزاته، وتتمثل -إجمالاً- في القطعيات الشرعية، ويُقصد بها ما كان قطعي الثبوت والدلالة".

ثم قال: "أما غير ما هو قطعي في الشرع فالاختلاف فيه واسع، وتنوع الأفكار والتصورات فيه وارد، وأكثر ما يكون هذا الاختلاف في "الفروع الفقهية"؛ وذلك لأن النصوص فيه -أي الفروع الفقهية- إما أن تكون ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة، وهو مجال رَحْب لأنْ يُعْمِل كل عالِم ومتخصصٍ فيه عقلَه وفق ضوابط خاصة؛ حتى لا يحصل الشطط والانحراف".

فإذا أضفتَ إلى هذا قبول "الإخوان" على كافة الأصعدة لمقترح "المبادئ الكلية" علمتَ مقدار الأزمة التي كنا نعاني منها، بل حتى بعد إضافة المادة (219) كان حاصل كلام الإخوان حولها أنها "تزيد لا بأس به".

معنى المبادئ عند "الجماعة الإسلامية":

ذكرنا -فيما مضى- أن ممثل الجماعة الإسلامية الأستاذ "عصام دربالة" في اجتماع "وثيقة الأزهر" قد أبدى تجاوبًا مع اعتراضاتنا، ثم عاد فوقـَّع على الوثيقة دونما إثبات تحفظات (وهو ما يمكن أن يَعكس درجة أهمية القضية عند الجماعة الإسلامية).

إلا أنه وفي ظل الطرح المقدَّم من "الدعوة السلفية" بحذف كلمة مبادئ أو وضع تفسير منضبط لها، كتب الأستاذ "سمير العركي" مقالاً في جريدة المصريون بتاريخ (12-11-2012م)، بعنوان: (تفسير "الدستورية" الرائع لمبادئ الشريعة!) شرح فيه حكم الدستورية (سنة 96)، ووصفه بالرائع كما في عنوان المقال!

وختم المقال بقوله: "هذا هو تفسير الدستورية سواء فيما هو قطعي وظني على حد سواء، لم تهدر فيه الشريعة كما قيل لنا على ألسنة كثير من الإسلاميين، بل على العكس جاء ليؤكد أهمية تفعيل المادة الثانية، وحثت على دوام الاجتهاد فيما يخص الأحكام الظنية على عكس الأحكام القطعية التي لا يجوز تجاوزها أو الاجتهاد معها أو تشريع قانون يصادمها.

وبعد... ألم يكن من الواجب على الإسلاميين قراءة هذا التفسير بتمهل وعناية ثم إصدار حكمهم بعد ذلك إما قبولاً وإما رفضًا؟! ولكن الواضح أنه لا أحد لديه الوقت الكافي ولا الرغبة في القراءة، وإلى الله المشتكى".

وقد أهمل الأستاذ "سمير" عدة أمور:

الأول: أن ذات الحكم يفسِّره البعض على أنه اكتفى بقطعي الثبوت والدلالة فقط، ومنهم رموز من الإخوان "فضلاً عن العالمانيين والكنيسة"؛ فكيف يمكن الاكتفاء بحمل فصيل آخر له على أنه يشمل القطعي والظني؟!

الثاني: أنه أدخل الكثير من القطعيات في باب الظنيات القابلة للاجتهاد، ومن أهمها: "الإجماع"؛ والذي يصبح قطعيًّا وإن استند إلى دليل ظني.

الثالث: أن هذا التفسير ذاته كان مرشحًا لأن يتغير؛ فحتى لو كان منضبطًا للزم تثبيته في الدستور كما اعترف هو بنفسه بعد إقرار المادة (219) بتاريخ (11-12-2013م) في مقال بعنوان: "التدافع الحضاري في مشروع الدستور"، نُشر بموقع الجماعة الإسلامية قال فيه:

الصفحة السابقة الصفحة التالية