شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ضبط معنى مبادئ الشريعة بين دستوري (2012م) و(2013م)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تمهيد:

لا تتعرض المحكمة الدستورية إلى تفسير مواد الدستور هكذا مِن تلقاء نفسها، ولكن عندما يُعرَض عليها طعن بعدم دستورية قانون ما لمخالفته لمادة دستورية معينة تتصدى لمعنى النص الدستوري إن احتاج إلى تفسير، ثم تنظر في مدى موافقة القانون محل الطعن لهذا النص الدستوري.

ومن الطبيعي أن تنظر المحكمة قضايا تتعلق بنص دستوري محوري "كمادة الشريعة" عشرات المرات عبر تاريخها، وعادة ما تبحث المحكمة المادة الدستورية في أول مرة ثم تنقل أو تقتبس منه في كل مرة تتعرض فيها لهذه المادة الدستورية؛ إلا إذا رأت أن النص في حاجة إلى مزيد بيان، مما يتعين على مَن يريد تتبع تفسير المحكمة لمادة ما أن يبحث عن الأحكام المرجعية التي صارت أصلاً لما وراءها؛ ليعرف الخط العام لتفسير المادة لدى المحكمة.

وبخصوص تفسير مبادئ الشريعة سنجد أن هناك حكمين مرجعيين في تاريخ المحكمة الدستورية:

الأول: التفسير الذي تكرر في عدة قضايا، منها -على سبيل المثال-: القضية رقم 20 لسنة 1 قضائية الصادر في (4-5-1985م)، والقضية رقم 47 لسنة 4 قضائية الصادر في (21-12-1985م)، والقضية رقم 141 لسنة 4 قضائية الصادر في (4-4-1987م).

الثاني: التفسير الوارد في الدعوى رقم 8 لسنة 17 قضائية، والصادر في تاريخ 18 مايو 1996م، وما تلا هذا التاريخ من أحكام (الأدق أن هناك أحكامًا ورد فيها هذا التفسير قبل هذا التاريخ، مثل: الحكم في القضية رقم 29 لسنة 11 قضائية دستورية، والصادر في "26-3-1994م"، وإن كان المشهور بين العامة والخاصة هو حكم 96).

وبطبيعة الحال تعامل عامة المتناولين للمسألة مع حكم (96)، وما في معناه باعتباره هو الحكم المستقر منذ ذلك التاريخ، بل مع تفسيرات كتفسير مبادئ الشريعة بأنها: "الحرية - والعدالة - والمساواة"؛ مما يفرغها تمامًا من معناها، ولكن لنترك هذا التخوف الآن جانبًا ونتعامل مع واقع، وهو: أن المادة الثانية كانت تُطبَّق دستوريًّا وفق التفسير الوارد في حكم سنة (96)، بينما لم يكن يُشار إلى حكم (85) إلا باعتبار أنه حكم قرر عدم سريان المنع من مخالفة الشريعة إلا على القوانين التي تلت التعديل الدستوري سنة (80).

وفي واقع الأمر: إن هذا المعنى منصوص عليه في حكم (96) وما تفرع عنه من أحكام، ومِن ثَمَّ دخل حكم (85) في طي النسيان (حتى يسر الله بجعله مخرجًا مناسبًا من الأزمة في تعديلات 2013م).

ولكن لنبدأ بحكم (96) وسبب اعتراضنا عليه، وهو الحال الذي كان قائما إبان تأسيسية (2012م):

أولاً: تفسير مبادئ الشريعة في حكم (96):

وإليك الفقرة المفسِّرة لمبادئ الشريعة من الحكم في القضية رقم 8 لسنة 17 قضائية دستورية، والصادر في (18-5-96): "وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مطرد على أن ما نص عليه الدستور في مادته ?الثانية -بعد تعديلها في سنة 1980م- من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي ?للتشريع، إنما يتمحض عن قيد يجب على كل مِن السلطتين: التشريعية والتنفيذية أن تتحراه وتنزل ?عليه في تشريعاتها الصادرة بعد هذا التعديل -ومن بينها أحكام القرار رقم 113 لسنة 1994م، ?المفسَّر بالقرار رقم 208 لسنة 1994م المطعون عليهما- فلا يجوز لنص تشريعي أن يناقض ?الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون ?الاجتهاد فيها ممتنعًا؛ لأنها تمثِّل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة التي ?لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً.

ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعًا لتغير الزمان والمكان، إذ هي عصية ?على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن معناها!

وتنصب ولاية المحكمة ?الدستورية العليا في شأنها على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها؛ ذلك ?أن المادة الثانية من الدستور تقدِّم على هذه القواعد أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ?ومبادئها الكلية؛ إذ هي إطارها العام وركائزها الأصيلة التي تفرض متطلباتها دومًا بما يحول دون ?إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها؛ وإلا اُعتبر ذلك تشهيًا وإنكارًا لما علم من الدين بالضرورة.

? ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معًا؛ ذلك أن دائرة الاجتهاد ?تنحصر فيها ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها ?وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها؛ تنظيمًا لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة ?شرعًا، ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة، على أن يكون الاجتهاد دومًا واقعًا في إطار الأصول ?الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزمًا ضوابطها الثابتة، متحريًا مناهج الاستدلال على الأحكام ?العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلاً صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ ?على: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. ?

وحيث إن إعمال حكم العقل فيما لا نص فيه، تطويرًا لقواعد عملية تكون في مضمونها ?أرفق بالعباد وأحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم الحقيقية التي تشرع الأحكام لتحقيقها، وبما ?يلائمها - مرده أن شريعة الله جوهرها الحق والعدل، والتقيد بها خير من فساد عريض، وانغلاقها ?على نفسها ليس مقبولاً ولا مطلوبًا؛ ذلك أنها لا تمنح أقوال أحد من الفقهاء في شأن من شئونها، ?قدسية تحول دون مراجعتها وإعادة النظر فيها، بل وإبدالها بغيرها.

فالآراء الاجتهادية في المسائل ?المختلف عليها ليس لها في ذاتها قوة متعدية لغير القائلين بها، ولا يجوز بالتالي اعتبارها شرعًا ?ثابتًا متقررًا لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهيًا عن التأمل والتبصر في دين الله -تعالى-، وإنكارًا ?لحقيقة أن الخطأ محتمل في كل اجتهاد، بل إن من الصحابة من تردد في الفتيا تهيبًا، ومِن ثَمَّ ?صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالاتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف ?الآراء سندًا، أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفًا لآراء استقر عليها العمل زمنًا.

الصفحة التالية