شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ضبط معنى مبادئ الشريعة بين دستوري (2012م) و(2013م)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

?وتلك هي الشريعة الإسلامية في أصولها ومنابتها، متطورة بالضرورة، نابذة الجمود، لا يتقيد ?الاجتهاد فيها -وفيما لا نص عليه- بغير ضوابطها الكلية، وبما لا يعطـِّل مقاصدها التي ينافيها أن ?يتقيد ولي الأمر في شأن الأحكام الفرعية والعملية المستجيبة بطبيعتها للتطور - لآراء بذاتها لا يريم ?عنها، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية معينة تكون المصالح المعتبرة شرعًا قد جاوزتها.

وحيث إن من المقرر -على ضوء ما تقدم- أن لولي الأمر أن يُشرِّع بما يرد الأمر المتنازع ?عليه إلى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، مستلهمًا في ذلك أن المصالح المعتبرة هي تلك التي تكون مناسبة لمقاصد ?الشريعة، متلاقية معها، وهي بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها، أو تنحصر تطبيقاتها، ولكنها تتحدد -مضمونًا ونطاقًا- على ضوء أوضاعها المتغيرة، يؤيد ذلك أن الصحابة والتابعين والأئمة ?المجتهدين كثيرًا ما قرروا أحكامًا متوخين بها مطلق مصالح العباد؛ طلبًا لنفعهم أو دفعًا لضرر ?عنهم أو رفعًا لحرجهم، باعتبار أن مصالحهم هذه تتطور على ضوء أوضاع مجتمعاتهم، وليس ?ثمة دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها.

وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجال ?تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون ?تخومًا لها لا يجوز اقتحام آفاقها أو تخطيها سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، ذلك أن إهدار ?الحقوق التي كفلها الدستور أو تهميشها، عدوان على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها، ولا يجوز بالتالي أن يكون تنظيم هذه الحقوق مناقضًا لفحواها، بل يتعين أن يكون منصفًا ?ومبررًا".

التعليق على حكم (96):

رغم تضمن الحكم لعبارات جيدة جدًّا في باب ضوابط الاجتهاد؛ إلا أن هناك مشكلتين كبيرتين في هذا الحكم:

الأولى: استعمال "لا كذلك" في التفريع مما يحتمل أمرين:

الأول: أن ما بعدها خارج عن حد المبادئ بالكلية.

الثاني: أنه داخل في المبادئ، ولكنه خارج عن القطعيات.

والمشكلة كانت تكمن في تبني الكنيسة والتيار العالماني للتفسير الأول، ويدفعون في سبيله بقوة، وكان الإخوان يوافقونهم على حمل كلام المحكمة على هذا المعنى، بل والموافقة عليه أيضًا كما في (المقطع المرئي للدكتور "مرسي"، ومقال: "هل باع الإخوان والدعوة السلفية الشريعة؟" على موقع بحيرة أون لاين).

المشكلة الثانية: أنه حتى مع حمل ذلك التفسير على أحسن محامله "الاحتمال الثاني"، فيبقى هذا التفسير قاصرًا؛ لكونه اقتصر من قطعيات الشريعة على قطعي الثبوت والدلالة معًا وأدخل جميع الباقي في الظنيات، رغم أن القطعيات "التي لا تقبل الخلاف" تستفاد من أمور كثيرة، منها: الإجماع، وقياس الأولى، وأحاديث الآحاد المتلقاة بالقبول (وسوف نفرد لذلك مقالة خاصة -إن شاء الله-).

وثمة مشكلة ثالثة ليست من هذا التفسير، وإنما من التفسير الآخر الذي كان يمهد له، لا سيما وأن أحكام المحكمة الدستورية كانت قد بدأت في نقل تفسير (96) مع التخفيف من ضوابط الاجتهاد.

المادة (219):

في دستور (2012م) حاولنا في بداية الأمر تعديل المادة الثانية ذاتها، فلم يمكن، واستقر الأمر على تفسير المبادئ في مادة مستقلة، فكانت المادة (219)، ونصها: "مبادئ الشريعة الإسلامية: تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة".

وهذا حقق الحل للأمور الآتية:

1- تثبيت التفسير بما يقطع الطريق أمام التفسيرات التي كانت في الطريق، وهو غرض هام حتى ولو كان تفسير المحكمة مقبول في ذاته.

2- النفي التام لاحتمالات حمل المادة على قطعي الثبوت والدلالة.

3- ذكر مصادر الشريعة في المادة يثبت حجية الإجماع الذي سقط في تفسير (96).

تعديلات (2013م):

في بداية العمل في دستور (2013م) تم عمل ورش عمل مع "الأزهر"، وتم الاتفاق خلالها على أهمية وجود تفسير لكلمة مبادئ، ولكن هل يكون هذا التفسير هو المادة (219) ذاتها؟ أم يجب البحث عن بديل آخر؟

فوجدنا أن هناك اعتراضاتٍ على هذه المادة، يمكن تلخيصها فيما يأتي:

- عدم اعتياد مبدأ وجود مادة مفسِّرة في صلب الدستور.

- أن تعريف المبادئ بالمصادر عكس للقضية، فالمصادر يُستنبط منها الأحكام والمبادئ.

- تمرير المادة بالطريقة التي مرت بها فيه انتقاص من المحكمة الدستورية العليا.

ومِن ثَمَّ تم الاتفاق على البحث عن بديل، ونصح بعض الخبراء الدستوريين التعاونيين مع اللجنة بأن نحاول أن نبحث عن عبارات نقتبسها من أحكام المحكمة الدستورية، بحيث يكون أدعى لقبول الجميع بها.

ومن هنا جاء البحث في جميع أحكام المحكمة الدستورية حتى ما كان منها سابقًا على حكم (96)؛ لأنك إن أتيت به ووضعته في الدستور الجديد يكون له مرجعية، بخلاف كونه مجرد تفسير عدلت عنه المحكمة إلى غيره؛ فكانت القراءة المتأنية الفاحصة لجميع الأحكام منذ تعديل المادة الثانية في (سنة 80)، ووجدنا أن الأحكام الصادرة في عام 1985م وحتى عام 1994م في غاية القوة في بيان لزوم عدم مخالفة الشريعة، كما وجدنا أحكامًا أبطلت فيها المحكمة الدستورية قوانين لمخالفتها للإجماع؛ مما يعالج أحدى الثغرات الموجودة في تفسير (96).

وبدأ الخلاف يحتدم داخل اللجنة، فالكنيسة تريد تفسير (96) بأضيق معانيه، وهو الاقتصار على قطعي الثبوت والدلالة، ونحن نتمسك بأن نضع تعريفًا جامعًا مستدلين بأن مجموع الأحكام "أحكام المحكمة الدستورية" يعطينا ذلك التعريف الجامع.

ودافع كثير من أهل الديانة في اللجنة عن تفسير (96) بشقيه وأنه كافٍ، واحتدم النقاش، وجاء الحل بالإحالة على مجموع أحكام المحكمة الدستورية مع وضع مضبطة فيها بعض هذه الأحكام تتضمن حكمي: 85 و87، والأحكام الخاصة بالإجماع، بالإضافة إلى حكم (96) وبعض الأحكام الموافقة له في المعنى، وبدراسة ما ورد في هذه الأحكام يتبين كفايتها -بإذن الله-.

وقبل أن أعرض لها أريد أن أذكِّر بالأمور الآتية:

1- بعض الإسلاميين منهم د."مرسي" شخصيًّا قَبِل بقطعي الثبوت والدلالة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية