دروس من قصة قوم سبأ (خطبة مقترحة)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الغرض من الخطبة:
الوقوف على الفوائد والدروس المستفادة من القصة، ومن أعظمها: أن المعاصي والانحراف عن أوامر الله سبب في انقسام المجتمع وتمزيقه، وزوال النعم، وحلول النقم.
المقدمة:
مناسبة ذكر القصة في القرآن: قال المفسرون: "لما ذكر الله حال الشاكرين لنعمه في سورة سبأ بذكر داود وسليمان -عليهما السلام- وقال: ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) (سبأ:13) ، بيَّن بعدها حال الكافرين الجاحدين لأنعمه بقصة قوم سبأ، فقال: ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ . فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ . ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ . وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ . فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) (سبأ:15-19) ؛ موعظة للمشركين من أهل مكة ولغيرهم على مر الزمان، وتنبيهًا وتحذيرًا على ما جرى من المصائب والنكبات على مَن كفر بأنعم الله من باب: ( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ) (الحشر:2) .
تعريف بقوم سبأ:
- كانت بلادهم ايه من آيات الله: قال الله -تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ).
- أقاموا سدًّا عظيمًا على مداخل الأنهار، وحوَّلوا الصحراء إلى جنات فيحاء: قال -تعالى-: ( جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ).
- نعم من الله كثيرة، وأجواء صحية، وعظيم رفاهية: قال الله -تعالى-: ( بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ).
قال ابن الجوزي -رحمه الله- في زاد المسير: "ولم يكن يُرى في بلدهم حية ولا عقرب، ولا بعوضة ولا ذباب ولا برغوث، ويمر الغريب ببلدتهم وفي ثيابه القمل، فيموت القمل لطيب هوائها!"، وقال قتادة وغيره: "كانت المرأة تمر بالمكتل على رأسها فتمتلئ من الثمار مما يتساقط فيه من نضجه وكثرته".
- أسفارهم سهلة وطرقهم آمنة؛ لاتصال العمران: قال الله -تعالى-: ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ )، قال قتادة -رحمه الله-: "كان الرجل المسافر لا يحمل معه زادًا ولا سقاءً، ولا يخافون ظمأً ولا جوعًا".
بداية الانحراف:
1- الغفلة عن شكر الله على نعمه كما أُمِروا: قال -تعالى-: ( كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ )، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبده ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
2- الإعراض عن الطاعات واستعمال النعم في المحرمات: قال -تعالى-: ( فَأَعْرَضُوا ).
3- الترف المحرم والبطر على نعم الله بطلب الأسفار الشاقة البعيدة: قال -تعالى-: ( فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ).
نزول العقوبة:
- انهيار السد العظيم عماد نهضتهم بالسيل الشديد: قال الله -تعالى-: ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ... ).
- السيول تجتاح أراضيهم وتفسد مراعيهم، وتبدل الثمر بالحثالة: قال -تعالى-: ( وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ).
- ساروا يبحثون عن أسباب الرزق من البلاد حولهم هربًا من المجاعة، فتفرقوا في البلاد: قال -تعالى-: ( فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ... ).
عاقبة كفر النعم:
- هكذا عاقبة الكفر بالنعم والانحراف عن أمر الله: قال -تعالى-: ( ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ ).
- هكذا عاقبة كل كفور بنعم الله: ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا... ) (البقرة:61) ، فكان الحرمان: ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (المائدة:26) .
- هكذا عاقبته: النكال والعبرة على مر التاريخ: قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ . فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) (البقرة:65-66) .
- سنة الله ماضية لا تتوقف في كل زمان ومكان: قال الله -تعالى-: ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا ) (الطلاق:8) ، ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (الأنفال:53) .
عاقبة شكر النعم:
- يحسن بالخطيب أن يتعرض لمعنى الشكر لغة وشرعًا؛ لما فيه من تحريك القلوب شوقًا لأن تكون من أهله.