شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كدر الجماعة خير من صفو الفرد

عصام حسنين • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أمر الله -تعالى- بالاجتماع والائتلاف بين أهل رحمته الذين يحرصون على الاجتماع والأخذ بأسباب الائتلاف؛ فقال -تعالى-: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ) ( آل عمران: 103) . أي: استمسكوا بكتاب الله الذي فيه بيان دينه، وبيَّنه رسوله -صلى الله عليه وسلم- حال كونكم مجتمعين عليه غير متفرقين!

ونهانا عن الاختلاف المذموم وأسبابه: فقال -تعالى-: ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ( آل عمران: 105) .

وأخبرنا -صلى الله عليه وسلم- أن الاختلاف كان سبب هلاك الأمم السابقة، فقال: ( ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ) (رواه البخاري ومسلم) .

وحذرنا -صلى الله عليه وسلم- من العداوة والبغضاء، فقال: ( إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ البَيْنِ فَإِنَّهَا الحَالِقَةُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . أي: احذروا العداوة والبغضاء فإنها الحالقة التي تحلق الدين كما يحلق الموسى الشعر! وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا ) (متفق عليه) .

وأمر الله -تعالى- بالأخذ بأسباب الاجتماع والائتلاف؛ فقال -عز وجل-: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ) (الأنفال:1) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( تَهَادَوْا تَحابُّوا ) (رواه البخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني) .

وكان أول ما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عند مقدمه المدينة: ( أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلام ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) . وهذا لفائدة عظيمة ظهر أثرها فيما بعد حيث بُني مجتمع يتحاب أفراده ويتراحمون، فكانوا بحق كالبنيان المرصوص تمكَّن بهم من مواجهة أعداء الخارج وأعداء الداخل من اليهود والمنافقين!

ولتحقيق هذه الغاية نبيَّن أنواع الاختلاف وما يجب أن يكون عند كل نوع من أنواع الاختلاف للمحافظة على وحدة الأمة المسلمة، فقد استقرأ العلماء أنواع الاختلاف الواقع في الأمة إلى نوعين: "اختلاف التنوع، واختلاف التضاد".

فأما اختلاف التنوع: فهو ما لا يكون فيه تناقض بين الأقوال، بل الأقوال كلها صحيحة: كوجوه القراءات، وأنواع التشهد، ويدخل فيه -على الصحيح- قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ) (رواه البخاري ومسلم) .

فانقسم الصحابة -رضي الله عنهم- في فهمه وتطبيقه إلى قسمين: قسم فَهِم منه أنه يلزمه أن يصلي العصر في بني قريظة فأخَّر العصر حتى وصل إلى بني قريظة، وقسم فَهِم أنه لم يُرد منهم إضاعة وقت الصلاة فصلاها في الطريق، ففعل، ولم يعنِّف النبي -صلى الله عليه وسلم- أيًّا من الفريقين، بل لم يُنقل أنه صوب طائفة وخطَّأ طائفة، وهذه سنة تقريرية عنه -صلى الله عليه وسلم- دلت على صحة فعل كلٍ من الفريقين، والجماعات الإسلامية المعاصرة فيها شيء من هذا النوع من الاختلاف، فبعض الجماعات اهتمامها الأكبر بالعلم، والبعض اهتمامه الأكبر بالدعوة والتبليغ، والبعض الآخر اهتمامه بالسعي على الفقراء والمساكين، وغير ذلك.

ولا شك أن هذا التنوع مطلوب وليس بمذموم، بل تحقيق التكامل فيه بين الاتجاهات الإسلامية هو ما يحقق للصحوة كل خير؛ شريطة اجتناب أمراض التعصب الأعمى والقلوب واللسان، وترك تحقير أعمال الآخرين التي تؤدي إلى الأحقاد والضغائن، ومِن ثَمَّ: السخرية، والبهتان، والغيبة والنميمة، والاتهام بالباطل، وغيره، ومَن حقَّر أعمالنا لا نحقِّر عمله، بل نذكِّره بفضيلة عملنا وعمله، مع نشر روح المحبة والاجتماع على الخير ومدح صاحبه، ولا يجوز أن يُعقد الولاء والبراء على هذه الأعمال والأولويات، وتقديمه على الولاء لله ولدينه ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومنهج أهل السنة بشموله.

والواجب أن تكون العلاقة بين هذه الجماعات هو التنسيق والتكامل -رغم الاختلاف المنهجي الذي غالبه من اختلاف التضاد- لا التشويه والهدم! وإن سعي أحد لهدمك فرد عدوانه بحجة لا بسب أو شتم، ودع بذاءته على نفسه!

وأما اختلاف التضاد فهو: أن يكون كل قول من أقوال المختلفين يضاد الآخر ويحكم بخطئه أو بطلانه، وهو ينقسم إلى: سائغ غير مذموم، وغير سائغ مذموم.

أما السائغ فهو: ما لا يخالف نصًّا من كتاب أو سنة صحيحة أو إجماعًا قديمًا أو قياسًا جليًّا سواء في الأمور الاعتقادية -وهذا نادر- أو في الأحكام العملية، ومثل هذا الخلاف لا إنكار فيه ولا تتغير من أجله القلوب والأبدان إلا على سبيل النصيحة بالدليل من عالم بالمسألة.

وأما غير السائغ فهو: ما خالف نصًّا من كتاب أو سنة أو إجماعًا أو قياسًا جليًّا لا يُختلف فيه سواء كان في الأمور الاعتقادية أو العملية، وهذا الخلاف يوجب الإنكار بضوابطه. (راجع: فقه الخلاف لـ د." ياسر برهامي") .

وورد الأمر بلزوم الجماعة الذين هم أهل العلم في كل عصر، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( يَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . أي: سكينته ورحمته مع المتفقين، وهم بعيد من الخوف والأذى والاضطراب، فإذا تفرقوا زالت السكينة ووقع بأسهم بينهم.

الصفحة التالية