كدر الجماعة خير من صفو الفرد
عصام حسنين • مع الدعاة
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَعَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ ) (رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ، وهذا فيه تحذير شديد من الخروج عن الجماعة، وهذا يكون من ضعف الإيمان الذي ينبغي أن يستدرك، فبداية سعي الشيطان للانفراد بالإنسان أنه يبعده عن الجماعة ثم ينفرد به، فيأتي للعبد ويوسوس له بعيوب إخوانه ويكون مشغولاً بها عن عيوب نفسه أو يجعله يقع في أهل العلم!
ولا شك أن هناك أخطاءً، لكن ما يكرهه الإنسان في الجماعة خير مما يحبه في الفرقة والابتعاد، كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "عليكم بالسمع والطاعة فإنها حبل الله الذي أمر به، ثم قبض يده وقال: إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذي تحبون في الفرقة" (الشريعة للآجري) . وكما روي عن أحد السلف: "كدر الجماعة خير من صفو الفرد".
ومن يعمل مع جماعة دعوية على منهج أهل السنة والجماعة، فعليه أن يلتزم التواضع والتراحم والتناصر لإعلاء كلمة الله، وأن يلتزم بقراراتها طالما كانت عن آلية الشورى، وعن أهل العلم بالشرع والواقع؛ وإلا انهدم العمل المؤسسي!
وهنا أذكر موقف الشيخ " محمد إسماعيل المقدم" -حفظه الله- من انتخابات الرئاسة الذي وضحه في محاضرته القيمة: "كدر الجماعة خير من صفو الفرد!" الذي ينبغي أن نتعلم منه جميعًا خاصة في هذه الفترة التي تتعرض فيه الدعوة لحرب ضروس، والبعض اتخذ من الحزب ذريعة لهدم الدعوة! وأنا ألخص هذه الكلمات الطيبة للشيخ -بتصرف، والتي ما أحوجنا إليها الآن- بعد إبلاغه للهيئة الشرعية أنه مقتنع بترشيح د." محمد مرسي" على أسس محددة، وطلب منهم إعطاءه صوته، لكن لا يُعلَن اسمه، وأخذ عليهم عهدًا بذلك؛ لأنه لم يتمكن من الاجتماع بالإخوة في الدعوة لمعرفة موقفهم وقد حاول الاتصال بهم، لكنه لم يتمكن، وفي مجلس الشورى انتهى التصويت بالأغلبية لصالح الدكتور "أبي الفتوح"- فقال الشيخ: "لا أدري: لماذا يوجد عند الإخوة مبالغات شديدة جدًّا؟! فالخلاف أمر واقع ويقع كثيرًا، وهي ظاهرة صحية جدًّا كما ذكرت مرارًا...
فكل شيخ له اختياره الشخصي، وعند التصويت يكون صوت فلان يساوي صوت أي أخ من الإخوة الأفاضل التي ستشارك، هذه هي الآلية الموجودة المتفق عليها، ما المشكلة في أن الشيخ له اختيار شخصي يخالف اختيار الأغلبية، فكل واحد له معاييره واجتهاده في الترجيح، فالشيخ ياسر اختار الدكتور العوا، وأنا اخترت الدكتور محمد مرسي، وكل أخ من أعضاء المجلس اختار، وهؤلاء ليسوا إخوة عاديين، فكل واحد منهم عمدة في بلده، ويقود الدعوة وعلى علم ودراية، وبالتالي نحترم آراءهم!
إذن الآلية هي احترام رأي الأغلبية مع وجود الاختلاف، وهذا شيء عادي في العمل الجماعي، فإما أن نحترمها وإما أن نغيرها أو نعدلها، وليس هناك وقت لذلك ولا نرغب في تعديلها، أو نكون انتقائيين! فأرضى إن وافقوا رأيي وأخالف إذا خالفوا رأيي! وهذا معناه أن نكسر المبدأ؛ لأنك لو أعطيت هذا الحق لنفسك فيصير من حق كل أحد، وهذا يساوي الفوضى، ثم انهيار العمل الجماعي في النهاية، أو أنه يتحرر من قيود العمل الجماعي إلى فضاء أرحب وأوسع، فيلزمه حينئذٍ أن يفصل بين انتمائه للدعوة وبين انتمائه إلى هذا الفضاء الأوسع ليعبر عن رأيه بحرية.
هذه خيارات موجودة، ولا شك أن الخيار المتاح أمامنا في اللحظة الراهنة هو الالتزام برأي الأغلبية مع الاختلاف في الرأي، فأنا أؤيد الدكتور " محمد مرسي" كشخص، لكن أنا ملتزم بقرار الأغلبية الذين هم إخوة نثق بهم ونرتضي إخلاصهم، وأنهم لا يريدون إلا الخير للإسلام والدعوة، أعتقد أن هذا من أبجديات العمل الجماعي!
ثم لفت النظر إلى مبدأ مهم جدًّا، وهو أن التشتت في مثل هذه اللحظات الحرجة جدًّا يهدد كيان الدعوة السلفية الذي تعب فيه ناس كثيرون جدًّا، بذلوا فيه زهرات شبابهم وأوقاتهم وصبروا على الأذى، والاعتقالات، والملاحقات الأمنية...
فنقول: نلتزم بالعمل الجماعي حتى لو خالف الاختيار الشخصي؛ كي نحافظ على الكيان الذي نعتبره أقوى وسيلة لتحقيق غاية سامية، هي: "خدمة هذا الدين".
العنوان الذي يلخص لنا هذا الموقف هو: (كدر الجماعة فوق صفو الفرد!)، نبقي مجتمعين ولو في نوع من الكدر والاختلاف أفضل من تشتيت الدعوة والقضاء على هذا الكيان الذي نشرف بالانتماء إليه!
إن قوة الدعوة السلفية في استقامة منهجها على منهج أهل السنة والجماعة ثم في وحدة كلمتها، فلو خرج قرار جماعي ولو ظهر فيما بعد أنه خطأ أهون من أن كل واحد يقول رأيًّا ثم نتفرق كالخراف الضالة في الصحراء تنهشها الذئاب، ولا يبقي لنا وزن!" إلى آخر كلامه الطيب الذي يحتاج إلى مراجعة من الإخوة ونشره.
وكتب الشيخ " ياسر برهامي" -حفظه الله- أيضًا تعليقًا على هذه المسألة: "لابد من التنبيه على أن المقصود من هذا الأمر هو قضية الالتزام بالمؤسسية المبنية على الشورى، بدلاً من الالتجاء إلى "الرمزية"؛ وهي: أن يتشتت الناس وراء رموز وقامات -لهم منزلتهم بلا شك في العلم والدعوة-، لكنهم بشر يختلفون كطبيعة البشر.
فكيف يصنع الناس عند اختلافهم؟!
قد يسع بعضهم السكوت في بعض الأحيان، لكن لا يسع الكيان والمؤسسة التي يترتب على قراراها مصير ملايين -أو مئات الألوف على الأقل-، ومصير الدعوة ذاتها "وعندها من المعرفة بالواقع ما ليس عند الآخرين" - لا يسعها أن تسكت، وتترك أبناءها وأبناء الحركة الإسلامية كلها في مهب ريح عاصفة يحرِّك الناس فيها عواطف مبنية على وسائل الإعلام الكاذب أغلبه، وعلى صفحات "الفيس بوك" الممنهجة في اتجاه معين؛ ربما خفي على أصحابه أنفسهم مكائد أعداء الإسلام في دفعهم ومَن معهم إلى اتجاه معين؛ لإهلاكهم وتقسيم بلادهم، بل والمنطقة كلها؛ لمصلحة الأعداء، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا!".
فهل نعي ذلك ثم نراجع مواقفنا؟
أم... ؟!