عقيدة السلف في الصفات .. شرح المنة (8)
صوت السلف • المنهج السلفي
صفات الذات وصفات الأفعال
باستقراء أدلة الكتاب والسنة قسم العلماء الصفات إلى صفات ذات وصفات أفعال، فما الفرق بينهما ؟
صفات الذات:
هي الصفات القائمة بذات الرب -عز وجل- وهي غير متعلقة بالقدرة ولا بالمشيئة، لأن كمال الصفات الذاتية ألا تتعلق بالقدرة ولا المشيئة ، مثال ذلك : صفة الحياة ، فالله -عز وجل- حي ، ولا نقول أبداً: الله حي إذا شاء ، وإذا شاء مات ـ نعوذ بالله ـ لأن صفة الحياة كمالها أن لا تتعلق بالمشيئة، بل الحقيقة أن صفة الحياة هي من لوازم صفة المشيئة .
وكذلك صفة القدرة ، لا نقول : الله قدير إذا شاء ، ويعجز إذا شاء ، وكذلك صفة السمع ، لا نقول : الله سميع إذا شاء ، وأصم إذا شاء ـ نعوذ بالله ـ بل نقول : الله سميع بصير .
أما صفات الأفعال: فهي الصفات المتعلقة بالقدرة والمشيئة ، مثال ذلك : ما ثبت من أن الله يرحم من يشاء ، ويعذب من يشاء ، ويرضى عن من يشاء ، ويغضب على من يشاء ، فهذه تسمى صفات الأفعال ، فهو -عز وجل- فعَّالٌ لما يريد ، فعَّال : يعني صفات الأفعال ، لما يريد : فالإرادة تتعلق بها الصفات الفعلية .
فأفعال الرب -عز وجل- هي التي تتعلق بالمشيئة والإرادة ، وأما الصفات الذاتية فلا تتعلق بالمشيئة، فالله -عز وجل- واحد، هذه الوحدانية صفة ذاتية لله -عز وجل- ، والله -عز وجل- لم يلد ولم يولد، وهذه صفة ذاتية لله -عز وجل-، فعندما نسأل النصارى: كيف تقولون إن الله -عز وجل- يلد أو يولد، أو كيف تقولون يُصلَب ويُبْصَق عليه ويموت، كما تقولون: مات يوم الخميس وقام يوم الأحد ـ يقولون قيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات يوم الأحد ـ وتحتفلون بذلك في عيد القيامة ( ) ؟ فيقولون: إنه يقدر على ذلك، إذا أراد أن يموت فسيموت، وهذا جهل عظيم، فإن الحياة صفة ذاتية وليست صفة فعلية، فنقصٌ عظيم أن نقول: يموت إذا شاء، لأن معنى ذلك أن الدنيا لا تحتاج إليه، وإلا فكيف كانت الدنيا مستغنية عنه في هذه الأيام الثلاثة، نعوذ بالله، فالوحدانية والحياة وكونه لم يلد ولم يولد هذه صفات ذاتية لله -عز وجل- لا يجوز أن تتعلق بالمشيئة، لأن الموت نقص، فلا يصح أن نقول: إذا أراد أن ينقص نقص.
وكذلك عندما نسأل النصارى كيف تقولون عن المسيح إنه الله، وهو عبدٌ يَعْبُدُ الله؟ فيقولون : هو يريد ذلك !!! فهل يريد أن يكون عبداً ؟! فكونه إلهاً صفة ذاتية، وليس الأمر أنه إلهٌ إذا شاء وعبدٌ إذا شاء، نعوذ بالله، فلا يمكن لعقل بشري أن يقبل أن يقال إن الله يمكن أن يكون مخلوقاً أَوْجَدَهُ غيره، فصفات النقص هذه: « الموت ، والعبودية ووصفه بأنه مخلوق » لا تجوز على الله -عز وجل-، فالله -سبحانه وتعالى- له المثل الأعلى، له الصفات العُلا، والأسماء الحسنى، لذلك أسمى عقيدة هي عقيدة أهل الإسلام.
وهناك سؤال أفرزه علم الكلام، وللأسف قد نجده في بعض الكتب، وبعض الناس قد يسأله، يقولون : « هل يقدر الله -سبحانه وتعالى- أن يخلق مثله ؟! »، فنقول: هذا كلام متناقض جداً، وهو كلام النصارى في المسيح -عليه السلام- أن الابن يخرج من الأب، والروح القدس يخرج من الأب، ويقولون: الله قادر !! وهذا كلام منكر، فلا يصح قولهم: « يقدر أن يخلق مثله »، لأن « مثله » يعني أن المثلَ غيرُ مخلوق، فهل يقال: هل يقدر الله أن يخلق غير مخلوق ـ أي ما ليس مخلوقاً ـ ؟ فهذا سؤال متناقض باطل أصلاً ، ولأن الوحدانية وكون الرب الخالق غير مخلوق صفات ذاتية من صفاته لا تتعلق بالقدرة ولا بالمشيئة، بل كونه قادراً قدرة تامة من لوازم كماله -سبحانه وتعالى-.
فهذا السؤال السابق باطل، مثل قولهم: هل يقدر أن يموت ؟!! لأن الحياة لا تتعلق بالقدرة ولا بالمشيئة، بل هي صفة ذاتية لله -عز وجل-، ونَفْي الموت مثل نَفْي النوم ونَفْي السِنَةِ ( ).
الأسماء الحسنى
جاء في الحديث المرفوع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ) ، هذا الحديث متفق على صحته.
فهل معنى ذلك أن أسماء الله -عز وجل- تسعة وتسعون فقط ؟ الجواب : لا ، ليس ذلك معنى الحديث ، بل معناه أن هذه الأسماء التسعة والتسعين من يحصيها ويقوم بحق كل اسم منها ، ويتعبد لله بمقتضى كل اسم منها ، ويدعو الله به ، مع حفظ هذه الأسماء يدخل الجنة ، وليس معنى ذلك أنها ـ فقط ـ تسعة وتسعون ، بل هناك أسماء حسنى لله -عز وجل- نحن لا نعلمها ، كما في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علم الذي أصابته الديون أن يقول : (اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ ، أَوْ أَنْزَلْتَهَ فِي كِتَابِكَ ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي) ( ) .
هذا دليل على أن هناك أسماء استأثر الله -سبحانه وتعالى- بعلمها ، وهناك أسماء علَّمَها الله بعض خلقه ، ولذلك نقول : إن هذا الحديث يقرر أن هذه الأسماء التسعة والتسعين مَنْ أحصاها دخل الجنة .
الأسماء التسعة والتسعون:
هذه الأسماء موجودة في الكتاب والسنة، ولكنها غير محددة بعددها في الكتاب والسنة حتى يجتهد الناس في الدعاء بكل الأسماء الحسنى الموجودة في الكتاب والسنة لكي يكون بذلك قد دعا الله بالتسعة والتسعين اسماً ، وشبيه ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-عن يوم الجمعة : (فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ الله شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ) ( ) ، حتى وإن قلنا هي آخر ساعة بعد العصر ، فنحن لا نعرفها تحديداً ، فالذي يمكث من العصر إلى المغرب يوم الجمعة يذكر الله ، سوف يدرك هذه الساعة ، وكذلك ليلة القدر في العشر الأواخر ، لكن أية ليلة هي تحديداً ؟! فنحن نطلبها في العشر الأواخر بأن نقوم العشر الأواخر كلها حتى ندرك ليلة القدر .
