الإسلام وصناعة الأمن... تطمين الخائفين لا ترويع الآمنين!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن نعمة "الأمن" مِن نعم الله -تعالى- العظيمة التي امتن الله بها على خلقه وعباده، قال الله -تعالى-: ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا ) (البقرة:125) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
وأخبر الله -سبحانه- أن نقص هذه النعمة مِن جملة الابتلاءات التي يُمتحن ويُختبر بها الخلق، فقال -تعالى-: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ) ( البقرة:155 ) ، وقال -تعالى-: ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) (النحل:112) .
وذكر -سبحانه- منته على قريش بهذه النعمة في قوله: ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) (قريش:3-4) ، وقوله: ( أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) (القصص:57) ، وقوله: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ) (العنكبوت:67) .
- كما امتن الله بهذه النعمة "نعمة الأمن" على أصحاب نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فقال: ( وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (الأنفال:26) .
- وأخبر -عز وجل- أن نعمة الأمن والاستقرار مطلب لجميع الناس حتى الأنبياء والمرسلين: قال الله -تعالى- عن إبراهيم الخليل -عليه السلام-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ ) (إبراهيم:35) ، ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) (البقرة:126) ، وذكر عن نبيه يوسف -عليه السلام-: ( فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ ) (يوسف:99) ، وقال -تعالى- عن بني إسرائيل: ( قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (الأعراف:129) .
- وإن مِن أعظم ثمرات الأمن أن يكون المرء آمنًا على دينه، وعلى عقيدته وعبادته لربه، ثم على دمه وعرضه، وماله وولده، فيوحِّد ربه ويعبد الله -تعالى- في أمن وسكينة، قال الله -عز وجل-: ( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) (النور:55 ) .
- والأمن والطمأنينة، والسكينة والاستقرار، وزوال الخوف مِن أهم الأسباب التي تهيئ النشأة السوية لأفراد الأمة فينفعوا أنفسهم وأمتهم، ومتى زال الأمن؛ حلـَّت الفوضى، وانتشر الفساد والإفساد في الأرض، وفسدت الحياة وشقي الناس، ووقع الظلم والعدوان، والفقر والجوع؛ فإن الأمن والاستقرار مقترنان بالمجد والبناء، والريادة والبقاء، والخوف والفوضى مقترنان بالتشرذم والضعف والشقاء، فالخوف والاضطراب يهدم ولا يبني، ويخرج شخصية مريضة عليلة لا همَّ لها إلا رغباتها، ونجاة نفسها وسلامتها وإن احترق العالم بأكمله مِن بعدها!
- كما أن نعمة الأمن مِن أعظم أسباب انتشار الخير وسماع الحق؛ ولهذا سمَّى الله -تعالى- صلح الحديبية فتحًا مبينًا لأجل ما وقع بسبب هذا الصلح مِن الخير العميم حينما تسنى للمسلمين مخالطة المشركين بأمان فدخل الناس في دين الله أفواجًا، فقال -سبحانه-: ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) (الفتح:1) .
- والإسلام هو دين الأمن، ولا يمكن أن يتحقق للناس الأمن التام إلا إذا دانوا بهذا الدين العظيم الذي يأمر بالتوحيد، والعدل والإحسان، والمعروف ومكارم الأخلاق، وحفظ الدماء والأعراض، والحرمات والأموال، ويَنهى عن الشرك والفحشاء، والمنكر والبغي، ومِن ذلك: تحريم قتل النفس إلا بالحق، وسرقة المال وأكله بالباطل، وظلم الناس، والعدوان عليهم إلا بالحق.
- ومِن أجل هذا الأمن شرع الله القصاص، وجعل فيه حياة للناس: ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:179) .
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الأَرْضِ، خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) ؛ لأن في إقامة الحدود تحقيق لأمن الناس وحماية دمائهم وأموالهم.
- الأمن للجميع في الإسلام عدا الظالمين المعتدين والمحاربين في الدين: