الإسلام وصناعة الأمن... تطمين الخائفين لا ترويع الآمنين!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • المنهج السلفي
إن الإسلام يربي أبناءه وأتباعه على الخوف مِن الله وحده، والرغبة والرهبة إليه -سبحانه-، والتوكل عليه وحده دون ما ومَن سواه؛ وبهذا يكون المسلم مِن أقوى الناس قلبًا، وأشدهم قوة وبأسًا، ولا يخشى أحدًا إلا الله؛ قال الله -تعالى-: ( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:175) ، وقال -تعالى-: ( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) (البقرة:40) ، وقال -تعالى-: ( فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ) (البقرة:150) ، وقال: ( فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ) (المائدة:44) ، وقال: ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ ) (الأحزاب:39) .
- ومتى كان المسلم بهذه المنزلة؛ ملأ الأرض علمًا وعملاً، ودعوة وبناءً، وجهادًا وتعميرًا وإصلاحًا، وكان أهلُ الإسلام كما وصف الله -تعالى-: ( أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) (المائدة:54) ، ( قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ) (المائدة:23) .
- وبقدر ما يكون عند العبد مِن التوحيد والإيمان بقدر ما يكون في قلبه مِن الأمن وعدم الخوف مِن غير الله: قال الله -تعالى- عن الخيل إبراهيم -عليه السلام-: ( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) (الأنعام:81-82) .
- ولهذا فإن مِن أخطر ما يكون على عقيدة الأمة بأسرها "وخصوصًا شبابها وصغارها": التربية على الخوف وإرهابهم بالظلام أو الجن أو الشخصيات الوهمية؛ فهذا له أبلغ الأثر في قتل الشجاعة في نفوسهم، وتربيتهم على الخنوع والضعف والخور؛ فماذا يُنتظر منهم بعد أن يكبروا إلا الخوف والانكسار لأعدائهم؟!
مِن أسباب حصول الأمن وزوال الخوف:
- التوحيد وطاعة الله وترك معصيته: ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) (الأنعام:82) ، فإن مَن خالف الله -تعالى- أخاف الله منه كل شيء، وأمنه الله مِن كل شيء. وقال -تعالى-: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) (الأنفال:53)، فالمعصية تبدل نعمة الأمن خوفًا.
- التقوى والإيمان والعمل الصالح: ( فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (الأعراف:35) ، ( فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (الأنعام:48) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (البقرة:277) .
- النفقة في سبيل الله: ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (البقرة:274) .
- اتباع هدى الله: ( فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (البقرة:38) .
- الاستقامة : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (الأحقاف:13) .
- ولاية الله: ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (يونس:62) .
- ذكر الله: ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (الرعد:28) .
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالصبر والتراحم بين الناس: ( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) (البلد:17) . فتعم الرحمة والأمن، ويزول الخوف بفضل الله -تعالى-.
- الإصلاح بيْن الناس، والسعي في قضاء حوائجهم، والشعور بآلامهم: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (رواه مسلم) ، وقال -تعالى-: ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ . أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ . يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ . أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) (البلد:11-16) .
نسأل الله -جلَّ في علاه- أن يملأ بلادنا أمنًا وأمانًا، وسائر بلاد المسلمين.
اللهم مَن أرادنا والإسلام بسوء؛ فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.