شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإسلام وصناعة الأمن... تطمين الخائفين لا ترويع الآمنين!

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • المنهج السلفي

- ومِن ذلك: أن الله -سبحانه وتعالى- طمأن أولياءه وصفوة عباده مِن النبيين والمرسلين والمؤمنين: كما قال الله -تعالى- لموسى -عليه السلام-: ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى . قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى . قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى . فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ) (طه:17-20) ، فلما أخذ الخوف موسى عليه السلام- قال الله له: ( خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى ) (طه:21) ، ( فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى . قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى ) (طـه:67- 68) ، ( لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى ) (طه:77) ، ( لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) (النمل:10) ، وقال: ( يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ) (القصص:31) .

- وكذا طمأن الله -تعالى- المرأة المؤمنة أم موسى -عليهما السلام- فقال -تعالى-: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (القصص:7) .

- وهكذا طمأنت الملائكة إبراهيم -عليه السلام-: ( فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ) (هود:70) .

- وطمأنوا لوطًا -عليه السلام-: ( وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) (العنكبوت:33) .

- ولما وصل موسى -عليه السلام- إلى مدين هاربًا، وحيدًا، جائعًا، خائفًا، وأجاب دعوة الرجل الصالح وقص عليه القصص؛ طمأن موسى -عليه السلام- وقال له: ( لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين ) (القصص:25) .

- وهكذا فعلتْ الملائكة مع داود -عليه السلام- لما تفاجأ بهم: ( إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ) (ص:22) .

النبي -صلى الله عليه وسلم- وصناعة الأمن "تطمين الخائفين وتسكين الفازعين":

- لما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة عام الفتح طمأن أهلها وأشاع فيها الأمن والأمان مع قدرته على الفتك والانتقام "وكانوا أهلاً لذلك"، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ( مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِن ) (رواه مسلم) .

- وعن أبي التياح قال: سمعت أنس بن مالك -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلا تُنَفِّرُوا ) (رواه مسلم) .

- وعن أنس -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ: ( لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا ) قَالَ: ( وَجَدْنَاهُ بَحْرًا، أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ ) قَالَ: وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ" (متفق عليه) . ( وَجَدْنَاهُ بَحْرًا ): أي واسع الجري.

- ولما خشي الصديق -رضي الله عنه- على النبي -صلى الله عليه وسلم- في الغار، وقال له: "يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ!"؛ طمأنه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال له: ( يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا ) (متفق عليه) .

- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، وقال: ( لا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لاعِبًا، وَلا جَادًّا ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .

فأين مِن هذه النصوص الخطيرة أولئك الذين يتجرؤون ويجرؤون على إرهاب الناس وتفزيعهم باسم المزاح واللعب، ويربون الصغار والكبار على التهاون في حقوق الناس وحرماتهم ومشاعرهم؟! بل يقع هذا الإسفاف في جملة كبيرة مِن البرامج التي توضع لها ميزانيات ضخمة، وتُعرَض على الناس في أشرف الأزمنة بغية شغلهم وصرفهم عما فيه الخير لهم. نسأل الله العفو والعافية.

- بل قد أخبر -صلى الله عليه وسلم- بلعن الملائكة لمَن أشار بالسلاح لأخيه المسلم وإن كان مِن أبيه وأمه -مما يدل على أن هذا الفعل مِن كبائر الذنوب-؛ تأكيدًا على حرمة المسلم، وعدم جواز تخويفه وإفزاعه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ ) (رواه مسلم) . وقال: ( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) (متفق عليه) .

- وكان مِن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى الهلال: ( اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بالأمْنِ وَالإيْمَانِ، وَالسَّلاَمَةِ وَالإِسْلامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى ) (رواه ابن حبان والطبراني، وحسنه الألباني) .

- الإسلام ومحاربة أسباب الخوف والتربية على الأمن:

الصفحة السابقة الصفحة التالية