شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وأسألك نعيماً لا ينفد

محمد إسماعيل أبو جميل • من نور الوحيين

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،

فقد جعل الله -سبحانه- الدنيا فانية, وكل نعيم فيها زائل, وأما الآخرة فنعيماً لا ينفد ولا يزول؛ حتى يتطلع الإنسان لما هو أبقى وأشمل وأدوم، فالله -عز وجل- خير وأبقى، وما ابتغي به وجه تعالى فهو الباقي، وأما نعيم الدنيا فلا محال زائل.

ولقد أمر -سبحانه- المؤمنين بأن تتعلق قلوبهم بالآخرة الباقية، وألا تغرهم الدنيا الفانية بنسيان لحظات فراقهم لها أو فراقها هي لهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (فاطر:5)

ولقد كان من دعاءه -صلى الله عليه وسلم-: (وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع) ، ففيه انتباه القلب لحقيقة نعيم الدنيا (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) (النحل:96)، إذ لكل شيء فيها نهاية ولابد وأن يزول، من نفس أو مال أو أهل أو ولد أو ملك أو رياسة، ولو أستحضر المرء نهاية الحياة لمن سبقه عَلِمَ أنه قادم لنفس الأجل المحتوم ولابد، فإما أن يزول عنه النعيم وهو في الدنيا, أو يفارق هو الدنيا بأسرها إلى باطن الأرض.

لذا فقد جعل -سبحانه- همة المؤمن في طلب النعيم الذي لا ينفد، والذي يجد المؤمن بدايته في هذه الدنيا بقربه من الله -سبحانه-، وإذا وصل إلى دار السلام وجد حقيقته بحذافيرها كاملة غير منقوصة في جنة الخلد عند حبيبه ومولاه.

البداية بأن يذوق طعم حلاوة الإيمان والعبادة وما فطر عليه من الحنيفية -الميل إلى الله- قال -تعالى-: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم: من الآية30)، فالقلوب فطرت على الميل والاشتياق إليه -عز وجل-, وعلى أن حاجتها لذلك أشد من حاجة البدن للماء والهواء والطعام, وغير ذلك مما يطلبه الناس ويتطلعون إليه من شهوة الجنس وجمع المال والرياسة.

البداية بأن يجد اللهَ -عز وجل- ويجد الطريق الموصل إليه، وأن يدرك حقيقة هدفه في الحياة ولماذا أوجده الله، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، وبأن يرى هذا الكون الواسع من حوله -والذي حقيقته أنه كخردلة في كف الرحمن- صغيراً مكاناً وزماناً وأن الله هو العلى الكبير، ويرى الجنة التي أعدت للمؤمن كعرض السموات والأرض، ويرى هذا الأبد الذي أعده -عز وجل- لسعادته فيها وأنه بلا نهاية، وأن نصيب من الدنيا بالنسبة له يساوى صفر، فعندها لن ينال من شهوات الدنيا ولذاتها الفانية الا ما كان عونا له على الطاعة وعلى الوصول لهذا النعيم الذي لا ينفد.

والقلب لا يستغنى عن ميله إلى الله أبداً؛ وإلا مات، فأكثر الناس تموت قلوبهم في هذه الدنيا لإعراضهم عن ذكر الله وقربه وعبادته، فلا تزال قلوبهم تتألم ولا يدرون سبب الضنك والشقاء (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طـه:124) ، حتى تموت القلوب وربما تعفنت. (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) (الأنعام:122) ، (وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (فاطر:22)،

فتصبح الأبدان قبور القلوب وتحبس القلوب عن الانطلاق لفضاء معرفة الله وتوحيده وعبادته, وعند ذوق حلاوة الإيمان والتي هي بداية هذا النعيم الذي لا ينفذ.

تلك الحلاوة أدركها بعض من لا يؤمن: كهرقل لما سأل أبا سفيان عن المؤمنين هل يرتد أحد منهم عن دينه " قال: لا. فقال: كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشة القلوب.

فلو امتزج القلب بالإيمان وجد نعيماً آخر لا يعرفه أكثر الناس، وإن ظنوا السعادة في أنوع الشهوات الدنيوية (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبياً) ، (ثلاثة من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه الا لله، وان يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) ، (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) (الحجرات: من الآية7)

وأما الدنيا: فنعيمها مشوب بالنغص والضيق والكدر. وشهواتها إنما هي سكر يعمى القلب ألمه مدة وجيزة بالغفلة التي تحصل للإنسان عندما ينالها، تماماً كفعل المخدرات بعقل وقلب الإنسان إذ تشعره بأنه ملك للدنيا وكل ما يريده، فإذا أفاق فكأنه كان طائر فوقع وارتطم بالأرض, فلا يجد مفراً من تناول المزيد في هرب دائم من حياته المؤلمة، وهكذا حتى تدمر حياته بالكلية وربما حياة من حوله، بل إن سكر الشهوات لأشد من الخمر والمخدرات (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الحجر:72) ، (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ) (المؤمنون:54)، فسكر الخمر عدة ساعات وأما سكر الشهوات فربما يبقى مدى الحياة لا يفيق منه إلا على الموت أو الألم والعذاب السرمدي.

الصفحة التالية