وأسألك نعيماً لا ينفد
محمد إسماعيل أبو جميل • من نور الوحيين
وأما لذة النعيم الذي لا ينفد فلا تشابهها لذة، بل لقد ذاق بعض السلف بدايتها فقال "انه لتمر على القلب لحظات يقول فيها لو أن أهل الجنة في مثل ما نحن فيه إنهم لفي عيش طيب"، فما بال لذة الجنة إذن، فإنها أضعاف مضاعفة، فنعيم المؤمنين فيها بالله -تعالى- أتم نعيم, والنظر لوجهه -عز وجل- فيها أعظم نعيم (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة: 22-23)، وسماع كلام الرب وسلامه فيها أعظم ما تسمعه آذانهم (سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) (يّـس:58)، والشهود برضا الله عنهم فيحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبداً لهو أعظم نعيم يجدونه بقلوبهم، كما يقول -سبحانه- لأهل الجنة بعد دخولها (هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون؟ يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً)
ففي الجنة يجدون هذا النعيم بلا حد ولا انقطاع، بل في ازدياد دائم (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) (قّ:35)، كل يوم يرقون لمنازل أعلي وأقرب إلى مولاهم لم تكن لهم من قبل، ولا يزال هذا النعيم ممتداً متسعاً يوماً بعد يوم بلا نهاية،لأنه -سبحانه- هو العلي الكبير، ولأنه -عز وجل- الشكور الذي يجزي الثواب الجزيل على العمل القليل.
بداية هذا النعيم هي التي من لا يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهى جنة الأنس بالله وبذكره -عز وجل-، فلقد جاءت الآيات متصلة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً) (الأحزاب: 41-44) ، فذكره -عز وجل- وتسبيحه وطاعته يجلب محبته, ويشهد قلب المؤمن من النعيم ما لا يشهده غيره، إذ يرفع إلى الله عمله وذكره مع أعمال العباد، عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، ويسأل -سبحانه- ملائكته عن عبادة المؤمنين وهو أعلم بهم، وذلك ليثني الملائكة عليهم ويدعون لهم وليثنى الرب عليهم، فصلاة الملائكة ثناؤهم ودعاؤهم وصلاته -سبحانه- هي ثناؤه وذكره لهم في الملأ الأعلى في سماواته عند ملائكته وأرواح النبيين والمؤمنين (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) ، (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) فإذا شهد القلب ذلك نال من النعيم والراحة واللذة القدر العظيم، فالمرء يجد راحة عظيمة إذا أحبه الناس وأثنوا عليه ودعوا لهم بالخير، فما باله لو شهد هذا وعلم أن الله -تعالى- جعل له ملائكته تستغفر له، بل خاصة الملائكة وهم حملة العرش (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ(7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (غافر 7-9)، وكلما ذكر المؤمن ربه وتاب إليه وأتبع سبيله سخرهم -عز وجل- ليدعوا له ويستغفروا له ولأهله وآبائه وأزواجه وذريته، فيا لها من سعادة ويا له من نعيم.
وبصلاة الله والملائكة ينفتح القلب ويخرج من الظلمات إلى النور، من الشهوات والطباع والأخلاق الفاسدة التي تظلم القلب، وتجعله في الدنيا كقلوب الكفرة والفجرة والمجرمين لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً الا ما أشرب من هواهم فيشقون بذالك أعظم الشقاء، وتخرجه كذالك من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، تلك الدنيا التي يتنافس عليها الناس لضيقها، فهي لا تسعهم ليكونوا لها ملوكا، ومن ملكها ملك جزءاً منها ملكاً مجازياً لمدة محدودة، وأما الجنة، فأهلها كلهم ملوك, وأقلهم له مثل الدنيا من لدن آدم حتى يوم القيامة وعشر أمثالها خلده فيها أبدا (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً) (الإنسان:20)، ورغم ذلك لا تنافس فيها ولا شحناء (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (الحجر:47) ، وإذا انفتح القلب على هذه المعاني نال بداية هذا النعيم في الدنيا، ثم نال التمام في الجنة في الآخرة يوم يلقى ربه وما أعد له من الأجر الكريم فيها (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً) (الأحزاب:44) ، ولا يوقظ القلب لهذه المعاني الا الحياة مع كتاب الله, وإلا فأكثر الناس في غفلة لا يشعرون بشيء من هذا أصلاً, بل ربما لا يدركون حتى وجود الملائكة، ولا يستحضرون إلا هذه الدائرة الضيقة من الأرض التي يعيشون عليها وما حولها من شهوات، مما ينعكس في حياتهم واهتماماتهم ونزاعتهم، مما يشعر المؤمن بالغربة في هذه الدنيا, وربما وجد أنواعاً من الاضطهاد والاستضعاف أو الإبعاد والاستغراب والتعجب من سلوكه. ولكن من وجده من بداية هذا النعيم من لذة محبة الله وذكره ومعرفته والشوق إليه والتعلق بوعده والخوف من وعيده وقربه من ربه -سبحانه- كل هذا يشعره بأن الكون كله معه يسبح لله -تعالى-, وأن هؤلاء هم البعيدون المطرودون قد اختاروا لأنفسهم سلوكاً غير سائر المخلوقات غير السموات والأرضيين اللاتي قالتا (أتينا طائعين) ،غير الطير والجماد التي تسبح بحمده (وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء: من الآية44) حتى غير الحجارة التي خشعت لله -سبحانه- (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه)
