شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وأسألك نعيماً لا ينفد

محمد إسماعيل أبو جميل • من نور الوحيين

وإذا حصلت بداية هذا النعيم للمؤمن، هانت عليه الدنيا بأسرها فلم ينافس في عزها، ولم يجزع من ذلها، ولكانت جنته في قلبه. كما قال بعض السلف (ما يفعل أعدائي بي, أنا جنتي معي، بستاني في صدري، وان سجني خلوة، وقتلي شهادة، وتعذيبي جهاد في سبيل الله، ونفيي سياحة"

وقد يبتلى الله عبده المؤمن ليعطيه من بداية هذا النعيم الذي لا ينفذ : فيقدر عليه ما يحزنه ليلجئه إليه "فيجد في لجئه وتضرعه له -سبحانه- أفضل مما حزن عليه، وأوسع مما كان يريد تحصله من أمر الدنيا أو حتى من أمر التمكين، حتى وان طال زمن الإجابة، فالبعض قد يقول منذ كم ندعو للمسلمين والأمر يزداد سوءاً ونحو ذلك مما يقال :فالشعور بالفقر إلى الله ألا ملجأ ونصير إلا هو، وأنه نعم المولى ونعم النصير لأنفع للمؤمنين مما لو فتحت عليهم الدنيا بأسرها.

المؤمن معه كنز وبيده مفتاحه، إن استعمل المفتاح فاز وإلا سقط في متاهة هذا الكنز، والكنز هو ما أعده الله له من بلاء وفى عافيته من بداية هذا النعيم الذي لا ينفد إذا لجأ وتضرع إليه واستغنى قلبه بالله عن الدنيا، بحضور معاني العبودية التي أمر بها -سبحانه- من كمال الحب مع كمال الذل، فلحظة واحدة من حب الله تغنيه عن كل مال وأهل وسلطان، وأي منزلة يرجوها عند الناس، ولحظة واحدة من تذلله وخضوعه لله -عز وجل- تكفيه من نعيم الدنيا، وشعوره بثناء الدنيا، وشعوره بثناء الله عليه وذكره له في نفسه وفى الملأ الأعلى, وحب الملائكة له واستغفارها له، بل وجميع الخلق حتى الحيتان والطير، كل هذا يكفيه ويغنيه عما يطلبه الناس والملوك والكبراء من أمور لا تقارن بذلك من ثناء ظاهري أو أشارة لهم بالبنان أو مديح زائف يعلمون معه تماماً كره النفس وبغضهم لهم، ورغم ذلك يسفكون لأجلهم الدماء وينفقون الأموال ويسهرون الليل والنهار ويضحون براحتهم ولا ينامون الا في رعب وخوف.

وأما المؤمن فيجد حباً وثناء صادقاً من الكون كله حيث يوضع لهم القبول في الأرض بعد أن ينادي بحبه في أهل السماء، حتى إن أرواح المؤمنين والشهداء لتنظره وتدعو له بالثبات حتى يلحق بهم (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران: من الآية170)

وإن أعظم الشقاء،أن يطرد العبد ويلعن ويبعد عن الله ،كإبليس عليه لعنة الله (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ، فيبعد الله قلب العبد عنه في هذه الدنيا، فتتشبه روحه بأرواح الشياطين وتتعانق معها، وتعيش بطريقتها تريد العلو والفساد في الأرض، فيشقى أعظم الشقاء, حتى لو علا بطغيانه للحظات أو حتى سنين علي المسلمين وانتهك حرماتهم، فهو في رعب دائم لا يدري سببه، فيشقى ولا يحصل له إلا البغض والكراهية من جميع الخلق ومن رب الخلق، ثم في الآخرة يبعد عن ربه في جهنم (كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (المطففين:15)، خالدا في العذاب والألم السرمدي (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَاباً) (النبأ:30)

لذا فقد جعل -سبحانه- في الدنيا دليلا علي نعيم الآخرة، ينال منه المؤمن بقدر قربه منه -سبحانه- سائلاً ربه نعيم لا ينفد وقرة عين لا تنقطع، ثم يجد من النعيم أضعاف ذلك في برزخه ثم في آخرته حين يلقي حبيبه ومولاه يجد هذا النعيم بحذافيره كاملاً غير منقوص،

فاللهم إنا نسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع.

الصفحة السابقة