توحيد الربوبية... شرح المنة (16)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
المعنى الثالث من معاني الربوبية : فهو معنى الأمر والنهي والتشريع ، قال -سبحانه وتعالى-: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ( الأعراف : 54 ) .
فالرب: هو الذي له الخلق والأمر.
فكما يعتقد الإنسان المؤمن أن الله -سبحانه وتعالى-منفرد بالخلق ، فكذلك يعتقد أنه -سبحانه وتعالى-منفرد بالأمر الكوني و الشرعي ، فالله -سبحانه وتعالى-يأمر في الكون بما يريد فيكون ما أراد (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ( يس : 82 ) ، فهو السيد الحق لهذا الكون -سبحانه وتعالى-، فكل ما يأمر به -عز وجل- يكون وينفذ .
وله وحده حق التشريع ، فيعتقد المؤمن أنه سبحانه له حق التشريع ؛ بمعنى أنه له حق الأمر والنهي.
فالله -عز وجل- وحده له الأمران ؛ الأمر الكوني : أي الذي يُكَوّن به الخلق فيقول : كن فيكون ، كما قال -عز وجل- : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) ( البقرة : 117 ) ، والأمر الشرعي: أي الذي يشرعه لعباده نحو : افعل ولا تفعل ، كما قال -عز وجل- : (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة: من الآية5)، وكقوله -عز وجل- : (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) (البقرة: من الآية21)
فقوله -تعالى-: (اعْبُدُوا) هذا أمر شرعي، وليس من باب: كن فيكون، وإلا لو كان من باب: كن فيكون، لوجد الناس أنفسهم يُصَلُّون ويَصُومُون، كما يجدون قلوبهم تدق، وعروقهم تنبض، لكن المعنى: (اعْبُدُوا) أي افعلوا أنتم ذلك.
ولذلك من مظاهر الشرك في الربوبية في هذا المعنى ، اعتقاد أن مع الله -عز وجل- من له حق الأمر والنهي والتشريع ، أو حق تبديل الشريعة فبهذا قد جعله رباً مع الله .
والدليل على ذلك :
قول الله -عز وجل- عن اليهود والنصارى : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) (التوبة: من الآية31) ، فهم لم يعتقدوا أن الأحبار والرهبان خالِقون ، أو رازقون أو يدبرون الأمر ! ليس كذلك.
ولم يعتقدوا أنهم مالكون لهم ، وهل ظنوا أنفسهم رقيقاً عند الأحبار والرهبان ، بل ادعى الأحبار والرهبان الزهد في الدنيا ، وجلسوا في الصوامع .
وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -رضي الله عنه- قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ : « يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ » ، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)، قلت : « يا رسول الله ، إنا لسنا نعبدهم ! » ، قال -صلى الله عليه وسلم- : « ألم يُحَرِّمُوا الحَلالَ ويُحَلِلُوا الحَرامَ فاتَبَعْتُمُوهم ؟! » ، قلت : « بلى » ، قال -صلى الله عليه وسلم- : « تلكَ عِبَادَتُهم » ( ) .
ففي هذا الحديث قضيتان :
1- قضية اعتقاد أن لغير الله أن يغير الشرع ، وله أن يحكم ويحلل ويحرم ، فمن اعتقد ذلك في أحد ، فقد اتخذه رباً ، فهذا شرك في الربوبية .
2- فإن اتبعه على التبديل معتقداً ما قاله دون ما قاله الله ورسوله ، فقد عبده من دون الله ، وهذا شرك في الإلوهية كما قال -عز وجل- : (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة: من الآية31) فهم أمروا أن يعبدوه بكل معاني العبادة التي من ضمنها اتباع الشرع ، فالتحريم والتحليل يكونان على النحو الذي شرعه الله -عز وجل- .
ومعنى ذلك أنه لا يجوز لإنسان أن يعتقد أن لفلان أو لطائفة من الناس حق التشريع ، ولو لم يتحاكم إليهم ، كما يعتقد أصحاب الديمقراطية أن لكل شعب من الشعوب أن يُشرع لنفسه ما يشاء، وإن لم يتحاكموا هم ـ أي من يعتقدون ذلك ـ إلى تشريعاتهم .
فالفرنسيون منذ قامت الثورة الفرنسية يعتقدون وينادون بأن الديمقراطية حق لكل شعب من الشعوب ، فوضعوا القانون الفرنسي ، ولم يُلْزِمُوا أحداً كالإنجليز مثلاً باتباع ذلك القانون ، ولم يتبعوا القانون الأنجلوساكسوني مثلاً ، لكنهم يعتقدون أن للإنجليز حق التشريع ، وأن لكل شعب الحق في ذلك ، ولكل أمة حق التشريع من خلال ممثليها ، من حقهم أن يُشَرِّعُوا ما يشاءون ، يحللون الزنا أو يحرمونه فهم أحرار ، وهذا شأنهم ، ويَعُدُّون ذلك من الشؤون الداخلية التي لو أقرها نواب الشعب ورأوا تطبيقها فإنها تُطَبَق ، وإن لم يروا ذلك فلا تُطَبَق ( ) ، ولو رأوها حلالاً فهي حلال ، ولو رأوها حراماً فهي حرام ، فهم لم يتحاكموا إلى قانون غير قانونهم ، ولكنهم اعتقدوا أن لهذا الغير حق التشريع ، فبهذا جعلوهم أرباباً لأنهم وصفوهم بوصف الربوبية ، وإن لم يعبدوهم ، كمن يظن ـ على سبيل المثال ـ أن الله خلقنا نحن وهناك أرباب آخرون خَلقوا خلقاً آخرين ، أليسوا بذلك مشركين أم لا ؟!! بالقطع هم مشركون ، لأنهم اعتقدوا أن مع الله -سبحانه وتعالى- مَنْ يَخلق ، وإن اعتقدوا أنه يَخلق غيرَهُم، فلابد أن نعتقد أن الله -عز وجل- هو الذي خلق كل هذا الخلق ، ولا يوجد معه خالق آخر لا لنا ، ولا لغيرنا ، فكذلك لابد أن نعتقد أن الله وحده هو الذي يأمر وينهى ويشرع لنا ولغيرنا ، فلو أنك مع اعتقادك أن غير الله له حق التشريع ، لجأت إليه وقلت له : سألتزم بما تأمر به وتشرعه ، فقد عبدته من دون الله .
